خصمه أمام الجمهور ] .
إن قلت : لمَ نلتمس الجدل ولا نستعمل البرهان ؟
قلت : لا يمكن أن نكلّم الناس جميعاً في منطق البرهان ، كما تقدّم آنفاً . فمن غير المعقول أن نثبت للجمهور أنّ الوجود أصيل - مثلًا - تمسّكاً بأصالة الوجود وبوحدته وأنّه حقيقية مشكّكة أو بالحركة الجوهرية للأفلاك ! ولهذا نجد القرآن الكريم في كثير من استدلالاته لم يكن قائماً على أساس برهاني ، بل يستدلّ بالاستدلال الجدلي ، بل هو أمَر بذلك فقال : وَجَادلْهُمْ بالَّتي هيَ أحْسَنُ . وكذلك استعمل أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) الجدل في جملة من أجوبتهم ؛ فعن البزنطي قال : جاء رجل إلى الرضا ( عليه السلام ) فقال : ) هل يقدر ربّك أن يجعل السماوات والأرض وما بينهما في بيضة ؟ قال : نعم وفي أصغر من البيضة ، وقد جعلها في عينك ، وهي أقلّ من البيضة ، لأنّك إذا فتحتها عاينت السماء والأرض وما بينهما ، ولو شاء ربّك لأعماك عنها « 1 » وسئل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) سؤالًا قريباً منه فقيل له : ) هل يقدر ربّك أن يدخل الدنيا في بيضة من غير أن تصغر الدنيا أو تكبر البيضة ؟ قال : إنّ الله تبارك وتعالى لا يُنسب إلى العجز والذي سألتني لا يكون ( « 2 » لأنّ ذلك محال ، والمحال لا تتعلّق القدرة به .
وهذا جواب برهاني . أمّا جواب الإمام الرضا ( عليه السلام ) فهو : جواب جدلي ، فإنّه لم ينف ذلك وإنّما أثبت أنّها تكون في أصغر من البيضة وهي عدسة
هامش
( 1 ) بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار ، تأليف العلم العلامة ، الحجة فخر الأمّة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي ( قدّس سرّه ) ، دار إحياء التراث العربي ، الطبعة الثالثة المصحّحة : ج 4 ، ص 143 ، الحديث 12 .
( 2 ) المصدر نفسه : ص 143 ، ح 10 . .