هُوَ أَعْلَمُ بمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبيله وَهُوَ أَعْلَمُ بالْمُهْتَدينَ .
ولبيان السبب في اختلاف طرق المحاورة وخطاب بعض الناس بالحكمة والبرهان وبعضهم بالموعظة الحسنة والخطابة ، وبعضهم بالجدال بالتي هي أحسن ، تعرّض للمسألة الدكتور إبراهيم مذكور - وهو من علماء مصر في الأبحاث الفلسفية - في مقدّمة كتاب منطق الشفاء فقال : ) ويقود هذا التقسيم - يعني تقسيم القياس الأرسطي من حيث المادّة إلى البرهاني والجدلي والسوفسطائي والخطابي والشعري - إلى نظرية أخرى سيكولوجية واجتماعية قال بها الفارابي وابن سينا وابن رشد ، وملّخصها : أنّ الناس متفاوتون في إدراكهم ومدى تقبّلهم للحجج والبراهين . فمنهم من اتّسعت ثقافته واكتمل إدراكه بحيث يقوى على تفهّم البرهنة اليقينية ، وهؤلاء هم الخاصّة من فلاسفة وعلماء ، ومنهم من ضاق علمه وقصر إدراكه فيقنع بالأمور المسلّمة والمشهورة . ومن أوضح الأمثلة على ذلك جماعة الجدليين من أصحاب الفرق ( « 1 » فإنّك لا تستطيع أن تحاججهم جميعاً بمقدّمات برهانية يقينية قام الدليل اليقيني والمنطقي عليها ) ومنهم من لم تتوفّر له ثقافة ولا فكر ناضج وتكفيه الأدلّة الخطابية ( « 2 » ، وهؤلاء هم العامّة والدهماء . والأدلّة الخطابية في الواقع باب من أبواب البرهنة الجدلية ، وكلّ ما فيها أنّها تعتمد على مقدّمات أقلّ شهرة وأقلّ رجحاناً . ومن الحكمة أن يخاطب الناس على قدر عقولهم . . . فتكون للخاصّة لغة تختلف عن لغة غيرهم ، ومن الخلط أن تخاطب الجماهير بلغة الفلاسفة والعلماء ، وفي هذا ما فيه من بلبلة واضطراب ( « 3 » كما يحصل لبعض من يرتقي المنبر ويأتي بمصطلحات لا يفهمها السامع ظنّاً منه أنّ
هامش
( 1 ) الشفاء ، المنطق ، ابن سينا ، منشورات آية الله العظمى المرعشي النجفي ، 1404 ه - : ج 3 ، ص 403 .
( 2 ) وهذا ما سيأتي الحديث عنه في صناعة الخطابة .
( 3 ) المصدر السابق . .