والناس أو يتسلّمه هو وحده في قول أو حجّة ( « 1 » فليس الغرض من الجدال ظهور الحقّ ، بل مغالبة الخصم سواء كانت الغلبة عليه بأمر حقّ أو بأمر غير حقّ ، فإن كان غير الحقّ بجدال كذب فلا يكون جدالًا بالتي هي أحسن . فمن فتل خصمه بمقدّمات كاذبة فقد أظهر له الكذب بمظهر الحقّ والصدق وإن كان دعوة إلى سبيل الله . وهذا ليس الهدف الذي يدعو إليه الإسلام الحنيف .
نعم إن كانت المقدّمات التي يستعملها في الجدال ممّا تسالم عليها الخصم والناس حقّاً فهو المطلوب .
ثمّ بعد هذا ذكر ( قدّس سرّه ) ما نقلناه أوّلًا من كلامه في صدر البحث من أنّ ما ذكره الله تعالى من الحكمة والموعظة والجدال بالترتيب ، ينطبق على ما اصطلحوا عليه في فنّ الميزان بالبرهان والخطابة والجدل .
وبناء على هذا وعلى القرائن التي أشرنا إليها يتّضح أنّ المذكور في الآية الكريمة يمكن أن ينطبق على هذه الصناعات في علم المنطق .
ثمّ ذكر ( قدّس سرّه ) تقسيم الدعوة إلى سبيل الله ، فقال : ) غير أنّه سبحانه قيّد الموعظة بالحسنة والجدال بالتي هي أحسن . ففيه دلالة على أنّ من الموعظة ما ليست بحسنة ومن الجدال ما هو أحسن وما ليس بأحسن ولا حسن . والله تعالى يأمر من الموعظة بالموعظة الحسنة ، ومن الجدال بأحسنه ( « 2 » . فالموعظة - كما تقدّم - تنقسم إلى قسمين ، والجدال ينقسم إلى ثلاثة أقسام ، والحكمة ليس لها إلّا قسم واحد .
قد يقال : لماذا قيّد الموعظة بالحسنة ؛ والجدال بالتي هي أحسن ؟
فيجاب : إنّ عقولنا أيضاً لو أُرجع إليها هذا الأمر ، لعملت بهذا الترتيب والتقييد الذي ذكرته الآية المباركة ، فإنّ سبيله تعالى هو الاعتقاد الحقّ والعمل
هامش
( 1 ) المصدر السابق .
( 2 ) المصدر السابق : ص 372 . .