تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح كتاب المنطق — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
من هنا يتّضح - على فرض تمامية هذا التطبيق - أنّ بحث الصناعات من الأبحاث التي اهتمّ بها القرآن الكريم . فلو استطعنا أن نُثبت بالقرائن أنّ المراد من الحكمة البرهان وهو الصناعة الأولى ، والمراد من الموعظةِ الحسنةِ الخطابةُ ، والمراد من الجدال بالتي هي أحسن ، صناعةُ الجدل . اتّضحت لنا أهمّية الصناعات الخمس في علم المنطق ، وأنّ الدعوة إلى الله تعالى إنّما تتمّ بهذه الطرق ، ولكن لا بنحو مانعة الجمع بل بنحو مانعة الخلو ، فقد نجمع الطرق الثلاث لشخص واحد ، فندعوه بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن ، ولكن قد ندعوه إمّا بالحكمة أو بالموعظة الحسنة أو بالجدال بالتي هي أحسن ، أو ندعوه بطريقين . ومن القرائن - التي يمكن أنّ نثبت بها أنّ الآية المباركة بصدد إثبات أنّ المراد من الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن : البرهان والخطابة والجدل - ما أشرنا إليه في صدر البحث من أنّ البرهان لا معنى لأن ينقسم إلى قسمين حسن وغير حسن ، لأنّ البرهان على ما تقدّم هو ما تألّف من مقدّمات يقينية الغرض منها الوصول إلى الواقع . وهذا غير قابل للانقسام إلى حسن وغير حسن . وعليه فإذا قلنا : المراد من الحكمة هو البرهان ، نجد هذا ينسجم مع الآية المباركة ، حيث لم تقيّد الآية الكريمة الحكمة بالحسنة أو بالتي هي أحسن . أمّا الموعظة أو الخطابة بحسب تعبير علم المنطق ، فيمكن أن تنقسم إلى قسمين : أن تصدر الدعوة إلى سبيل الله ممن يتّعظ بها ، وأن تصدر ممن لا يتّعظ بها . ولهذا نصّت الآية المباركة على أن من يريد أن يدعو إلى سبيل الله تعالى بالموعظة أن يكون متّعظاً قبل أن يعظ ، كما يومئ إليه قول النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) : ) ما أمرتكم بشيء إلّا وقد عملت به قبل ذلك ، وما نهيتكم عن شيء إلّا وقد انتهيت عنه قبل ذلك ( وهكذا هو دأب أهل البيت ( عليهم