لم يقبل المولى عز وجل أن يدعى إليه بطريق لم يقبله ولا يرتضيه ، ولم يجعل سموّ الهدف غاية تبرّر الوسائل للوصول إلى هذا الهدف الكبير ، فما بالك بغيره من الأهداف ، كإقامة حكومة أو الإصلاح بين الناس أو بناء المؤسسات والمساجد والحسينيات إلى غير ذلك من الأهداف التي هي دون الهدف التي تدعو إليه الآية الكريمة .
فالدعوة إلى الله تعالى مع أنّها أعظم الأهداف وأسمى الغايات لم يشرّعها القرآن الكريم أن تكون بأيّة وسيلة ، وإنّما قيّد الطريق أوّلًا بالحكمة ؛ ممّا يعني أنّ هذا الطريق لا ينقسم إلى حكمة حسنة وغير حسنة ، وإلا لكان ينبغي تقييده بالحكمة الحسنة . ومعنى هذا أنّ الحكمة ما لم تكن حسنة ، كانت جهالة لا أنّها حكمة تتّصف بغير الحسنة . وبعبارة أخرى : لا حكمة إلّا وهي حسنة ، وما ليس بحسن من الأدلّة فليس بحكمة ، بخلاف الموعظة فإنّها قد تكون حسنة وغير حسنة .
أمّا قوله تعالى : وَجَادلْهُمْ بالَّتي هيَ أَحْسَنُ فهو دالّ على أنّ الجدال على ثلاثة أقسام :
1 . جدال غير حسن .
2 . جدال حسن .
3 . جدال أحسن .
والآية المباركة إنّما سمحت بالدعوة إلى سبيل الله تعالى بالجدال بالتي هي أحسن .
قال العلّامة السيد الطباطبائي ( قدّس سرّه ) في ذيل هذه الآية المباركة : ) فينطبق ما ذكره تعالى من الحكمة والموعظة والجدال بالترتيب ، على ما اصطلحوا عليه في فنّ الميزان بالبرهان والخطابة والجدل ( « 1 » .
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي : ج 12 ص 372 . .