المقدمة
قبل الدخول في بيان صناعة الجدل ، وبيان ما أشار إليه المصنّف ( قدّس سرّه ) من مقدّمات ، لا بأس بالإشارة إلى قوله تعالى : ادْعُ إلَى سَبيل رَبّكَ بالْحكْمَة وَالْمَوْعظَة الْحَسَنَة وَجَادلْهُمْ بالَّتي هيَ أَحْسَنُ إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبيله وَهُوَ أَعْلَمُ بالْمُهْتَدينَ « 1 » .
نحن إنّما نقرأ المنطق لهدف وغاية ، وإلا كانت قراءتنا لغواً وعبثاً . والآية المباركة بيّنت أنّ الذي يريد أن يدعو إلى الله سبحانه وتعالى ، لابدّ أن يدعو بإحدى الطرق الآتية :
الأوّل : الدعوة بالحكمة .
الثاني : الدعوة بالموعظة الحسنة .
الثالث : الدعوة بالجدال بالتي هي أحسن .
وعند التأمّل في مضامين الآية المباركة نجد الدعوة بالحكمة مطلقاً لم تُقيّد بوصف الحسنة - كما قُيّدَتْ الموعظة - ولا بقيد التي هي أحسن - كما قُيّدَ الجدال - ونجد الدعوة إلى الله بالموعظة قيّدت بالحسنة ولم تُقيّد بالأحسن كما قيّد الجدال . وهذا يعني أنّ الموعظة على قسمين : حسنة وغير حسنة . والدعوة إلى الله تعالى لابدّ أن تكون بالموعظة الحسنة .
وهذه الآية من الآيات الدقيقة والأدلّة الواضحة على أنّ الغاية لا تبرّر الوسيلة كما يدّعي أصحاب هذه النظرية ، لأنّها بيّنت أنّ الدعوة إليه تعالى لا تتمّ بأيّ طريق كان ولو بالخداع والتزوير . والقرآن الكريم يريد الدعوة إلى الله ولا غاية أفضل من الدعوة إليه تعالى ، ومع عظمة هذه الغاية وسمّو الهدف
هامش
( 1 ) النحل : 125 . .