بذلك الحسّ . ولهذا قال :
[ وقول الحكماء : إنّ العقل لا يدرك الجزئيات ، فإنّ غرضهم أنّه لا يدرك الجزئيات بنفسه ] بلا واسطة أو [ بدون استعمال آلة إدراكية ، وإلا فليس المُدرِكُ للكلّيات والجزئيات إلّا القوّة العاقلة ] بمراتبها المختلفة [ ولا يمكن أن يكون للسمع والبصر ونحوهما وجود وإدراك مع قطع النظر عنها ] أي القوّة العاقلة ، فلو فرضنا أنّ الإنسان لا يملك عقلًا وله سمع وبصر وسائر أدوات الحسّ ، فإنّه لا يدرك شيئاً بنحو كلّي . وهذا خير شاهد على أنّ المُدرك هو القوّة العاقلة وتلك أدواته للإدراك [ غير أنّ إدراك القوّة العاقلة للمحسوسات لا يحتاج إلى أكثر من استعمال آلة الإدراك المختصّة في ذلك المحسوس ] .
ذكرنا فيما سبق أنّ الأخطاء تقع في الإدراك لا في الحسّ ، ولكنّ المحسوس عندما يُسلَّم إلى العقل يخطئ العقل في تفسيره . مثلًا : لو وضعت يدك على النار ، فإنّ الحسّ ينقل إلى العقل أنّ النار حارّة ، لكنّ هذا المعنى عندما ينتقل إليه يحتاج إلى تفسير ، والعقل قد يخطئ في التفسير وقد لا يخطئ ، وضربنا لتوضيحه مثلًا بمن يرى نجمة بعيدة ، فيراها العقل صغيرة ، مع أنّ الحسّ أي البصر لم يقل له أنّها صغيرة ، وإنّما قال النجمة ضمن هذه الشرائط من البعد وضمن الأحكام الخاصّة بالنظر صغيرة . أمّا العقل فلما حكم بصغرها أخطأ .
ومن هنا يتّضح لنا أنّ القول المشهور ) الإحساسات تخطئ ( عارٍ من الصحّة ، فإنّ الحسّ لا يخطئ أبداً ، بل عندما ينقل شيئاً محسوساً إلى العقل ، يخطئ العقل بحكمه .
ومن هنا يتّضح لنا أنّ العقل لا يحتاج إلى الآلات للإدراك مطلقاً ، وإنّما يحتاج إليها لإدراك الجزئيات فقط . أو كما قال :
[ ويختصّ إدراك القوّة العاقلة بتوّسط الآلة في خصوص الجزئيات ، لأنّ
شرح كتاب المنطق — صفحة 251
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٥١