الأولى المتقدّمة : كلّ ممكن ، فهو محتاج إلى علّة ، ولكي يحصل لنا العلم بقضية من القضايا - لم نكن نعلم بها ثمّ حصل لنا العلم بها فهي حادثة ممكنة فتحتاج إلى علّة - كقولنا : الكلّ أعظم من الجزء ، ولابدّ من تصوّر طرفي النسبة . ونفس تصوّرها علّة للعلم بالنسبة . وهذه العلّة يعبّر عنها بالعلّة الداخلية ، والمراد بها أنّ تصوّر طرفي القضية كافٍ للحكم والتصديق بوجودها . وكقولنا : اجتماع النقيضين محال . إذ بمجرّد تصوّر النقيضين تصوّراً تامّاً تجزم النفس باستحالة اجتماعهما . والعلّة في ذلك : نفس تصوّر الموضوع والمحمول والنسبة القائمة بينهما .
إذن القضية التي حصل لنا العلم بها ممكن من الممكنات ، وكلّ ممكن يحتاج إلى العلّة ، وعلّته تصوّر طرفيها والنسبة القائمة بينهما [ كقولنا : ) الكلّ أعظم من الجزء ( وقولنا : ) النقيضان لا يجتمعان ( ] . بيّنّا فيما سبق الفرق بين هاتين القضيتين ، وقلنا : ( قضية النقيضان لا يجتمعان ) لا تحتاج إلى أيّ شيء ، بخلاف قضية ( الكلّ أعظم من الجزء ) ، فإنّها تحتاج إلى قضية : ( النقيضان لا يجتمعان ) .
[ والبديهتان اللتان مرّ ذكرهما في صدر البحث ، أيضاً من هذا الباب ] أي من أمثلة العلّة الداخلية . والبديهيتان هما : أنّ كلّ ممكن لابدّ له من علّة ، وكلّ معلول يجب وجوده عند وجود علّته . فإنّ نفس تصوّر الممكن والإمكان تصوّراً تامّاً ، كاف للحكم - بالبداهة - أنّ الممكن يحتاج إلى علّة . وكذلك نفس تصوّر المعلول والعلّة تصوّراً تامّاً ، كاف للحكم بأنّ المعلول لا يمكن أن ينفكّ عن علّته التامّة . فتصوّر أجزاء كلّ قضية ، كاف للحكم والعلم بالنسبة القائمة بين الطرفين ، أو كما قال : [ فإنّ نفس تصوّر الممكن والعلّة كافٍ للحكم باستحالة وجود الممكن بلا علّة ، ونفس تصوّر العلّة والمعلول كافٍ للحكم باستحالة تخلّفه عن علّته ] التامّة [ فلا يحتاج اليقين ] وحصول العلم
شرح كتاب المنطق — صفحة 248
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٤٨