النار حارّة ] في المشاهدات [ أو مكّة موجودة ] في المتواترات بالنسبة لمن لم يذهب إليها ، وأمّا الذين ذهبوا إليها ، فتكون من المشاهدات [ ولكنّ إدراكه لهذه الأشياء ليس ابتداءً بمجرّد تصوّر الطرفين ولا بتوسط مقدّمات عقلية ] محضة ، كما إذا تصوّرت مكّة المكرّمة موجودة ، فإنّ مجرّد تصوّرها لا يكفي للتصديق بوجودها . وكما إذا تصوّرت أنّ الماء حارّ ، فإنّ مجرّد تصوّره لا يكفي للتصديق بأنّه حارّ ، بل تحتاج إلى المشاهدة أوّلًا وبالاستعانة من قانون عقلي ثانياً ، كما ذكرنا في المشاهدات من أنّه لا يمكن تشكيل قياس من مقدّمة جزئية ، بل لابدَّ من مقدّمة كلّية نأخذها من العقل . أو كما قال : [ وإنّما بتوسّط أحدى الحواسّ وهي جنوده ] أي العقل [ التي يستعين بها في إدراك المشاهدات ونحوها ، فإنّه يدرك الطعم بالذوق ، واللون بالبصر ، والصوت بالسمع . . . وهكذا ، ثمّ يدرك بقوّة أخرى بأنّ ما له هذا اللون - الأصفر ] كالليمون [ مثلًا - له هذا الطعم الحامض ] .
ثمّ بعد هذا أشار المصنّف ( قدّس سرّه ) إلى نقطة مهمّة ، وتوضيحها : أنّكم قلتم : إنّ العقل لا يدرك الجزئيات ، وقلتم : إنّ العقل يحكم بأنّ النار حارّة ، مع أنّها قضية جزئية ، فكيف نوفّق بين قول الحكماء : إنّ العقل لا يدرك الجزئيات من جهة ، وبين قولكم : إنّ النار حارّة قضية جزئية حكم بها العقل ، وهل هذا إلّا تهافت ظاهر ؟
وحاصل جوابه : إنّ مراد الحكماء ليس هو أنّ العقل لا يدرك الجزئيات مطلقاً ، بل مرادهم أنّه لا يدركها مباشرة بلا توسط آلة ، أمّا مع توسط الآلات الحسّية التي يستعين بها على الإدراك ، فهو يدركها . وعلى هذا فلو فقد أدواته الحسّيّة لا يستطيع أن يدرك الجزئيات . من هنا قالوا : ) مَنْ فَقَدَ حسّاً فَقَدَ علْماً ( فإنّ الحسّ وظيفته النقل ، والعقل وظيفته الإدراك والحكم ، ولكن بما أنّ إدراك العقل للجزئيات بتوسط آلاته الحسّيّة ، فإذا فقد حسّاً فقد علماً مرتبطاً
شرح كتاب المنطق — صفحة 250
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٥٠