هذا وقد استفاد المصنّف ( رحمه الله ) من مثال واحد ، حيث جعل المعلول تارة حدّاً أوسط ، وأخرى جعل العلّة حدّاً أوسط ، كما ذكر في قوله : [ كما لو قيل في المثال المتقدّم ] الذي ذكره في البرهان اللمّي : [ هذه الحديدة متمدّدة ، وكلّ حدّيدة متمدّدة مرتفعة درجة حرارتها ] فإنّ التمدّد حدّ أكبر في المثال المتقدّم ، وهنا حدّ أوسط وأعطى الحرارة للحدّ الأكبر ، وصارت الحرارة حدّاً أكبر [ فالاستدلال بالتمدّد على ارتفاع درجة الحرارة استدلال بالمعلول على العلّة ] أي على وجود العلّة لا أنّ المعلول أوجدها ، وإنّما المعلول موجود فلابدّ أن تكون علّته موجودة كما قال [ فيقال فيه ] أي في البرهان [ أنّه يستكشف بطريق الإن من وجود المعلول على وجود العلّة ، فيكون العلم بوجود المعلول سبباً للعلم بوجود العلّة ] فالحدّ الأوسط مع كونه معلولًا في الواقع إلّا أنّه علّة للتصديق وواسطة في الإثبات ، كما قال [ فلذلك يكون المعلول واسطة في الإثبات ، أي ] يكون الحدّ الأوسط [ علّة للعلم بالعلّة ] إذن فالحدّ الأوسط وإن كان في الواقع معلولًا للعلّة إلّا أنّه علّة للعلم بها ، فالعلم بالعلّة سببه العلم بالمعلول ، والعلم بالمعلول علّة للعلم بها لا أنّه علّة لها . فهو من جهةٍ معلول للعلّة في الواقع ومن جهة أخرى هو علّة للعلم بالعلّة [ وإن كان معلولًا لها في الخارج ] وهذه هي قاعدة البرهان الإنّي ( الدليل ) [ ويسمّى هذا القسم من البرهان الإنّي ( الدليل ) ] .
أمّا القسم الثاني من البرهان الإنّي غير الدليل ، فهو أن لا يكون الحدّ الأوسط علّة في الواقع ، بل يبقى علّة للتصديق ، ويكون تلازم بينه وبين الحدّ الأكبر ، فلا هو معلول للأكبر ولا علّة له ، لأنّه إن كان علّة فهو برهان لميّ ، وإن كان معلولًا فهو برهان إنّي ( دليل ) . وقد ذكرنا فيما سبق أن للتلازم مصاديق ثلاثة ، وهي : ملازمة العلّة للمعلول ، وملازمة المعلول للعلّة ، والتلازم بين معلولي علّة ثالثة ؛ من قبيل الإضاءة والحرارة المعلولين للنار ، فإنّ كلَّ واحد منهما ليس علّة للآخر ، ولا
شرح كتاب المنطق — صفحة 238
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٣٨