بناء على ذلك ، لما كان الإمكان - عند الحكماء - هو علّة احتياج المعلول إلى الواجب ، إذن يكون قولهم : ) العالم ممكن ، وكلّ ممكن يحتاج إلى الواجب ( من قبيل البرهان اللمّي ، مع أنّ حقيقة إثبات الواجب من طريق العلم بمعلوله الذي هو العالم . فالعالم المتّصف بالإمكان وإن كان بحسب الوجود الخارجي معلولًا له تعالى ، إلّا أنّه بحسب التحليل الواقعي النفس الأمري ، هو علّة الاحتياج إلى الواجب الذي هو النتيجة ، فيكون الإمكان الذي هو الحدّ الأوسط علّة للنتيجة التي هي : ) العالم يحتاج إلى الواجب ( .
إذن ذات الواجب تعالى وإن لم تكن معلولة لأيّة علّة ، إلّا أنّ الملاك في كون البرهان لميّاً ليس هو هذا ، وإنّما الملاك ما قدمناه . . . « 1 » .
بعد هذا نعود إلى ما ذكره المصنّف ( رحمه الله ) ؛ قال :
[ والبرهان الإنّي على قسمين :
1 . أن يكون الأوسط معلولًا للأكبر في وجوده في الأصغر ] أي : الأكبر في الأصغر له علّة وله معلول . وهنا يكون الحدّ الأوسط معلولًا لوجود الأكبر في الأصغر لا علّة له ، كما ذكرناه في مثال النار ، فإنّها علّة لثبوت الأكبر وهي الحرارة في الأصغر وهو الماء ، بخلاف ما لو جعلنا الحرارة حدّاً أوسط فإنّها لا تكون علّة ، بل تكون معلولة لثبوت النار للماء [ لا علّة عكس ( برهان لِم ) ] لا في كلّ جهة بحيث يوضع الأكبر مكان الأصغر ، بل عكسه في الحدّ الأوسط ، فإنّه في برهان ) لم ( كان علّة لثبوت الأكبر في الأصغر ، وهنا يكون معلولًا مع بقائه علّة للتصديق وبقاء الأطراف على ما هي عليه .
ومن هنا تتّضح النقطة المهمة التي أشرنا إليها قبل قليل ، وهي كلّ برهان لمّي يمكن أن نعكسه إلى برهان إنّي ، بأن نجعل الحدّ الأوسط معلولًا .
هامش
( 1 ) شرح نهاية الحكمة : الإلهيات بالمعنى الأخصّ ، تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري ، بقلم الشيخ علي حمود العبادي ، نشر دار فراقد ، الطبعة الأولى ، 1430 ه - : ج 1 ، ص 49 44 . .