الكلام ظاهرها الاستدلال من الأثر على المؤثّر ، وسير من المعلول إلى العلّة ! وقد ثبت في علم المنطق أنّه لا يفيد اليقين بالمعنى الأخصّ المصطلح عليه في باب البرهان .
إذن فما هو توجيه هذه البراهين وأنّها في الواقع استدلالات إنّية أو هي نحو من الاستدلال ، نرجعه إلى الاستدلال اللمّي باعتباره مفيداً لليقين .
إنّ هذه الاستدلالات التي يظهر منها أنّها سلوك وسير من المعلول إلى العلّة إن استطعنا إرجاعها إلى الاستدلال اللمّي الذي هو سير من العلّة إلى المعلول فحينئذ تفيد اليقين ، وإلّا فتتأكد المشكلة التي عرضنا لها آنفاً .
هذا ويرى العلّامة الطباطبائي ( رحمه الله ) عدم إمكان إقامة البرهان اللمّي أيضاً في جميع المسائل الفلسفية فضلًا عن إقامته على إثبات وجود الله تعالى ، وحصر الاستدلال ببرهان الملازمات العامّة ، أي الانتقال من أحد المتلازمين إلى الآخر ، وذكر الوجه في ذلك بقوله : ) إنّ كون موضوعها - أي الفلسفة - أعمّ الأشياء ، يوجب أن لا يكون معلولًا لشيء خارج عنه ، إذ لا خارج هناك فلا علّة ، فالبراهين المستعملة فيها ليست براهين لميّة ( « 1 » يعني أنّ السبب في عدم جريان برهان ) اللمّ ( في المسائل الفلسفية عموماً ، فلأنّ موضوع الفلسفة هو الوجود المطلق ، ومن الواضح أنّ الوجود المطلق لا علّة له ، إذ لا خارج عنه إلّا العدم . والوجه في عدم جريانه لإثبات وجوده تعالى هو أنّه تعالى لا علّة له فلا برهان ) لم ( عليه . وهذا ما ذكره جملة من الأعلام :
قال الشيخ الرئيس : ) فالأوّل - تعالى - ليس عليه برهان محض ، لأنّه لا سبب له ، بل كان قياساً شبيهاً بالبرهان ، لأنّه استدلال من حال الوجود أنّه يقتضي واجباً ، وأنّ ذلك الواجب كيف يجب أن يكون ( « 2 » .
هامش
( 1 ) المصدر السابق : ص 10 .
( 2 ) المبدأ والمعاد ، لابن سينا ، تحقيق عبد الله نوراني : الفصل 24 ، ص 33 . .