الأوسط علّة للتصديق . فهو من حيث كونه واسطة في الإثبات علّة للتصديق ، ومن حيث الواقع معلول . فيستدلّ بالمعلول على العلّة ، وهذا ما يسمّى اصطلاحاً بالبرهان الإنّي تمييزاً له عن القسم الثاني من أقسامه ، أعني ما يسمّى بالدليل ، وهو : أن يكون الحدّ الأوسط معلولًا لثبوت الأكبر في الأصغر ، وإن كان علّة في الواقع لحصول العلم بحصول الأكبر للأصغر .
هذا وذكر المحقّقون من علماء المنطق أنّ هذا القسم من البرهان لا يمكن أن يفيد يقيناً بالمعنى الأخصّ ، لأنّك إذا افترضته معلولًا فكلّ معلول له علّة ، ولا معنى لأن نجعله حدّاً أوسط لكي نستكشف علّته ، إذ إنّك - حسب الفرض - قبل أن تستدلّ ، تعلم بأنّ له علّة . ولذا قالوا : إنّ برهان الإن ( الدليل ) لا يفيد اليقين ، لأنّه يلزم منه تحصيل الحاصل .
ومن هنا تنشأ مشكلة في الأبحاث الفلسفية ، وهي : كيف يمكن الاستدلال بالمعلول على العلّة ؟ مع أنّه لا يفيد اليقين ، مع أنّ جميع استدلالاتنا الكلامية على إثبات وجود الله مبنيّة على ذلك . وهذا من أهمّ الأبحاث المنطقية أوّلًا ، والفلسفية المعقدة ثانياً . فمن جهة يقولون : إنّ البرهان الإنّي ( الدليل ) لا يفيد اليقين ، ومن جهة ثانية يستدلّون في علم الكلام وفي جملة من البراهين الفلسفية بالمعلول على إثبات العلّة . ولهذا أنكر ذلك العلّامة الطباطبائي ( رحمه الله ) في أوّل نهاية الحكمة ؛ قال : ) وأمّا برهان الإنّ ، فقد تحقّق في كتاب البرهان من المنطق أنّ السلوك من المعلول إلى العلّة لا يفيد يقيناً ( « 1 » مع جريان عادتهم على الاستدلال بالممكن لإثبات الواجب ، وبالحادث لإثبات القديم ، ومن المتحرّك لإثبات المحرّك . . . وهكذا جميع الأدلّة المذكورة في علم
هامش
( 1 ) نهاية الحكمة ، تأليف الأستاذ السيد محمد حسين الطباطبائي ( قدّس سرّه ) ، صحّحه وعلّق الشيخ عباس علي الزارعي السبزاوري ، مؤسسة النشر الإسلامي ، الطبعة السابعة عشرة ، 1424 ه - : ص 10 . .