وإمّا لأنّها مشكوكة عنده ، فيجاري معلّمه بها .
[ وهذه الأصول الموضوعة هي مبادئ ذلك العلم ] أي من مبادئه التصديقية لا التصوّريّة إذ التصوّريّة مرتبطة بفهم الاصطلاحات ، والتصديقية مرتبطة بالمقدّمات التي تؤخذ من علم آخر .
مثلًا : موضوع علم الأخلاق يبحث فيه عن تهذيب النفس وتزكيتها وتربيتها . . . ولكنّه لا يبحث فيه عن وجود النفس ، وإنّما يستدلّ على إثباتها في علم آخر ، حيث ثبت أنّ للإنسان نفساً وجسداً ، وعلم الأخلاق يرتبط بتهذيب النفس ، وليس له أيّ علاقة بإثبات وجود النفس . فعندما تستدلّ للطرف الآخر بعلم الأخلاق على إثبات النفس ، فهو إمّا يقبل منك ذلك من باب حسن الظنّ بك ، فتكون من الأصول الموضوعة ، وإمّا يقبله لأنّه بديهي عنده فتكون من الأصول المتعارفة ، وإمّا يشكّك فيقبل بها من باب المجاراة فتكون من المصادرات .
ولهذا قلنا : المقدّمة الواحدة قد تختلف من شخص إلى آخر بأن تُعتبر عند الأوّل من المصادرات ، وتعتبر عند آخر من الأصول المتعارفة ، وعند ثالث من الأصول الموضوعة . كما في العلوم الطبيعية حيث يبحث فيها عن الجسم وعوارضه وأحكامه ، مع أنّه لا يوجد فيها بحث يتعرّض إلى كون الجسم موجوداً أو غير موجود ، وإنّما اخذَ الجسم فيها مفروض الوجود ثمّ بُحثَ عن عوارضه وأحكامه . وكذلك الأمر في علم الطب ، حيث يبحث فيه عن أحكام البدن من حيث الصحّة والإعلال ، مع أنّه لم يتعرّض إلى إثبات وجود البدن ، وإنّما اخذ مفروض الوجود ثمّ بُحثَ عن أحكامه وعوارضه ومتى يكون صحيحاً ومتى يكون مريضاً .
فالتصديق بمثل هذه المقدّمات إمّا لكونها أصولًا متعارفة أو مصادرات أو أصولًا موضوعة لذلك العلم [ التي تبتني عليها براهينه ، وإن كان قد يبرهن
شرح كتاب المنطق — صفحة 175
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٧٥