أو الشبهات ، ولهذا ورد : إنّما جعل الله المكروهات حتّى يروّض الإنسان ليمتنع عن المحرمات . فلو فرضنا للمحرمات حدّاً وجاز للمكلّف أن يبلغ حدودها ، فبمجرّد أن تزلّ قدمه يقع في الحرام ؛ بخلاف ما إذا كان لها حدّان ونُهيَ الإنسان - على نحو الكراهة - عن تجاوز الحدّ الأوّل ، فإنّه إذا خالف وزلّت قدمه لا يقع في الحرام وإنّما يرتكب المكروه ، فيحتاط أكثر بالوقوف عند المحرمات . ولذا ورد :
) الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام فيها ( « 1 »
. ولعلّه لأجل ترويض القوّة العاقلة وتقويتها للوقوف أمام القوّة الواهمة ذكروا بعض الأبحاث الأصولية والكلامية والفلسفية التي لا ثمرة فيها . ولهذا ذكر علماء الأخلاق : إنّ القوّة الواهمة ( أي الوهميات الصرفة ) في كثير من الأحيان أقوى في الإنسان من إدراك اليقينيات والأوّليات . [ وهذا واضح للعقل .
غير أنّ الوهم إذا خطرت له السنة تمثّلها ] وتوهّمها [ في شكل هندسيّ وهميّ يخترعه في أيّام طفولته من حيث لا يشعر ] فإنّك إذا سألت الإنسان : كيف يدير الله هذا العالم ؟ فإنّه يتمثّله في صورة شخص كبير طويل له لحية طويلة لأنّه قديم وجالس على كرسي وتحفّه الملائكة ، يأمر كلّ واحد منهم بأن يقوم بعمله . ولا يأتي غير هذا التمثّل إلى ذهنه ، لأنّه يتصوّره كالملوك الذين تحّف بهم جنودهم وحرّاسهم وحواشيهم يأمرونهم وينهونهم ويوجّهونهم ، ولا يخطر في ذهنه أنّ الله معنا أينما كنّا ، أو لا يخطر في ذهنه قوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوسُ به نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إلَيْه منْ حَبْل الْوَريد « 2 » وأنّه أقرب إلى الإنسان من نفسه ويحول بين المرء وقلبه ،
هامش
( 1 ) الأصول من الكافي ، تأليف أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني : ج 1 ص 68 ، كتاب فضل العلم ، باب اختلاف الحديث ، آخر الحديث رقم ( 10 ) .
( 2 ) ق : 16 . .