قابل لأن يدركه الطفل ، لذا تضطرّ إلى أن تحضر له طفلًا يده محترقة وهو يبكي ، فتقول لطفلك : إن وضعت يدك على النار يحدث بها مثل يد هذا الصغير . حينئذ يفهم المعنى بالمثال الخارجي . وهذه الحالة لا تختصّ بالأطفال بل تشمل حتّى الكبار ، كما أشرنا . فإنّا إذا تكلّمنا في الأبحاث الأصولية أو الفلسفية أو الكلامية ، فإنّ الطرف المقابل يسأل : مثل ماذا ؟ وهذا يعني أنّه لم يستوعب معنى الكلام الملقى عليه ، فيريد أن يفهم المعنى من خلال الأمثلة الخارجية . ولهذا اعتمد القرآن الكريم على إيصال المعاني إلى البشر من خلال الأمثال ، قال تعالى : مَثَلُ الْجَنَّة الَّتي وُعدَ الْمُتَّقُونَ تَجْري منْ تَحْتهَا الأنْهَارُ اكُلُهَا دَائمٌ وَظلُّهَا تلْكَ عُقْبَى الَّذينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافرينَ النَّارُ « 1 » مع أنّه ذكر الجنّة في أكثر من مورد ، لكنّه أراد أن يبيّن أنّ الجنّات التي ذكرها والتي تجري من تحتها الأنهار أمثال لتقريب المعنى وليست هي الجنان الحقيقية وَتلْكَ الأَمْثَالُ نَضْربُهَا للنَّاس فعلى الإنسان أن يرفع قوّته العقلية حتّى يدرك المعاني المجرّدة عن المادّة والحسّ . وما يقف حائلًا أمام ذلك الارتقاء العقلي والصعود الفكري هو الوهم . فإنّ القوّة الواهمة من أشدّ جنود إبليس ، يستعملها للحؤول دون إدراك المعاني المجرّدة ، وعلى الإنسان العاقل أن يروّض وهمه حتّى لا يكون ( وهمه ) من جند إبليس وجنود الجهل ، ويجعله من جنود العقل والرحمن .
وهنا تتّضح أهمّية قراءة بعض العلوم الفلسفية والكلامية والعلوم الرياضية بموازاة قراءة العلوم الأخرى لتتقوى القوّة العاقلة لدى طالب العلم ، كما يروّض الإنسان نفسه بالامتناع عن الشهوات المادّية وإن كانت محلّلة ليصفّي نفسه ويهذّبها ، فإنّ الأكل والشرب مباحان ، ولكنّهما يحرمان على المكلّف في نهار شهر رمضان ، ليروّض الإنسان نفسه بالامتناع عن الحلال فضلًا عن الحرام
هامش
( 1 ) الرعد : 35 . .