رَأتْ ولا أذنٌ سَمعتْ (
لأنّ جميع ما تتصوّره عن الجنّة منشؤه الوهم ، وإنّ تلك النشأة الآخرة غير هذه النشأة الدنيا حتّى تكون مثلها .
[ تأمّل ما أريد أن أقول لك . فإنّ الإنسان - على الأكثر - لابدّ أن يتوهّم دورة شهور السنة أو أيّامها بشكل محسوس من الأشكال الهندسية ( تأمّل في نفسك جيداً ) أنّه لابدّ أن تتوهّم هذه الدورة على شكل دائرة منتظمة أو غير منتظمة أو مضرّساً بعدد الشهور ، أو شكلًا مضلّعاً متساوي الأضلاع أو غير منتظم في أضلاع أربعة أو أكثر أو أقلّ ، مع أنّ السنة ودورة أيّامها وشهورها من المعاني المجرّدة غير المحسوسة ] وما سبب ذلك إلّا لأنّ الإنسان يأنس الدائرة المادّية مثلًا ، فعندما يقال له دورة شهور السنة ينتقل ذهنه إلى الدائرة المادّية التي كان يألفها .
وكم من الأمور يأنس بها الإنسان في طفولته ، وحين يكبر ويسمع عن أشياء ، يتبادر ذهنه إلى ما ألفه حين الصغر ، لأنّ قوته العاقلة ضعيفة حين الصغر ، ولهذا إذا أعطي معنىً من المعاني ، تصوّره ضمن صورة معيّنة تبقى معه حتّى في حال كبره .
وجرّب من نفسك واسأل ابنك : أين الله ؟ فسوف ينتقل ذهنه إلى جهة العلوّ فيقول : فوق . وكذلك ينتقش في ذهنه صور الملوك وما يحيطهم من خدم وحشم وما لهم من عروش ، وكيف يأمرون وينهون .
فإذا قلت له : إنّ الله يفعل كذا وكذا ، ينتقل ذهنه إلى صورة الملك الذي يأمر وينهى .
وهذه الصور تبقى مع الإنسان كما قلنا حتّى حين يكبر ، لأنّ بسطة الجسم لا تكفي في اتّساع المدارك من دون بسطة العلم وكمال العقل .
والشاهد على ما نقول : أنّك عندما تبيّن لابنك معنى الإحراق ، فإنّ خير طريق لتفهيمه أن تقرّب له المعنى من خلال المثال ، لأنّ ألم الاحتراق غير
شرح كتاب المنطق — صفحة 162
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٦٢