موجود لابدّ أن يكون في مكان وزمان وله بداية ونهاية وله كمّ وكيف . . . فإذا كان الوهم أقوى من العقل جعل الإنسان ملحداً .
من هنا تبرز أهمّية حاجتنا إلى الأبحاث العقلية والرياضية لتقوية القوّة العقلية ؛ فإنّ كلّ إنسان عندما يولد فهو عاقل بالقوّة وليس عاقلًا بالفعل ، ومتى روّض هذه القوّة وأخرجها إلى الفعل كان عاقلًا بالفعل وحينئذ يكون الوهم في خدمة العقل .
ولهذا قال صدر المتألّهين ( رحمه الله ) : ) الجنين . . . إذا خرج من بطن أمّه قبل البلوغ فهو حيوان بالفعل ، إنسان بالقوّة ( « 1 » لأنّ الإنسان إنّما يكون إنساناً بالفعل إذا أدرك الكلّيات ، فإن كان عقله ضعيفاً فهو حيوان بالفعل وإنسان بالقوّة .
لا يقال : كلّ من يمشي على اثنين فهو إنسان ، فإنّ الكثير من الحيوانات لها هذه الخاصّة ، وتمشي على الحبال بينما لا يتمكّن الإنسان من المشي عليها ، ومن غير المعقول أن يقال : إنّ إنسانيتها أقوى من إنسانية الإنسان نفسه بمقتضى هذا القياس ! ولا أحد يقول بهذا . فليس الملاك بالمشي على اثنين ولا بالأكل والشرب ، فإنّ الكثير من الحيوانات أكثر أكلًا من الإنسان .
وليس إنسانية الإنسان بالوفاء ، فإنّ الكلب وفيٌّ ؛ فلو كانت إنسانيته بالوفاء لكان الكلب الذي هو أكثر وفاءً أكثر إنسانية من الإنسان ؛ قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) :
) الصورة صورة إنسان والقلب قلب حيوان ( « 2 »
أي أنّ باطن بعض الناس حيوان مفترس ، بل وأشدّ افتراساً ، إلّا أنّ ظاهره ظاهر إنسان .
إذن إنّما يكون الإنسان وجوداً إنسانياً بالعقل . [ إلا أنّ الوهم يقضي بها ] أي بالوهميات [ قضاءً شديد القوّة ، فلا يقبل ضدّها وما يقابلها حتّى مع
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، مصدر سابق : ج 6 ، ص 351 .
( 2 ) نهج البلاغة ، شرح الشيخ محمد عبده : ج 1 ص 153 ، الخطبة 87 . .