يلبّي طلبك ولا يستطيع فعل ذلك ، مع أنّ العقل لا يرى فرقاً في المكان بين أن يكون مظلماً أو منيراً ، فإنّ المكان هو المكان في الحالين ، وليس للظلمة أي تأثير فيه تقتضي الخوف ، وكذلك كونه ميّتاً لا يوجب الخوف ، إذ لو كان حياً لا يخاف منه فكيف إذا صار جسداً هامداً لا حراك فيه ، بل لو فرض أن عادت الحياة له فهو إنسان مثله ولا ينقلب وحشاً . فلو سألت العقل : هل يوجد سبب للخوف ؟ لأجابك بالنفي . لكنّ وهمه لا يتركه ، مع أنّ الوهم كاذب لا واقع له .
وعلى هذا يتّضح لنا أنّ محلّ البحث هو الاعتقادات التي يصدّق بها الإنسان وتترتّب عليها الآثار من غير أن تكون لها واقعية .
قال الحكيم السبزواري ( قدّس سرّه ) « 1 » :
من تلك ما يدعى بوهميّات * حكم على العقلي بحسيات
كالقبل في المجرّد الزماني * والفوق وضعي كذا مكاني
فالوهم تابع ذوي الأوضاع * يحسب نور القاهر الشعاعي
والعقل يقفو في مبادي ما اقتنص * وإذْ إلى النتيجة جاء نكص
يخاف من ميت جماد عادَ له * وغسق والسلب لا تأثير له
[ والمقصود بها القضايا الوهميّة الصرفة ] قيّدها بالصرفة لأنّ بعضها واقعية مأخوذة من الحسّ وهي قضايا صادقة في مقابل الصرفة [ وهي قضايا كاذبة ] لا تفارق أيّ إنسان ، فإنّك إن لم تروّض الوهم وتستعمله لأغراضك سخرّك لأغراضه ؛ لأنّه إذا قوي عند إنسان فإنّ عقله مهما أدرك واعتقد يحول وهمه دون اعتقاده . مثلًا : عقل الإنسان يحكم بضرورة وجود الله تعالى بالدليل والبرهان ، ويؤمن بأنّه تعالى لا يحدّه مكان ولا زمان ، ولا كيف له ولا أين ، ولا أوّل لأوّليته ولا آخر لآخريّته ولا يشار إليه ، ولكنّ الوهم يحكم بأنّ كلّ
هامش
( 1 ) شرح المنظومة ، قسم المنطق اللآلي المنتظمة ، مصدر سابق : ص 340 . .