يتمثّل عنده كيف أنّه تعالى كان وليس معه شيء حتّى الزمان ، وأنّه سرمدي لا أوّل لوجوده ولا آخر ، وإن كان العقل - حسبما يسوق إليه البرهان - يستطيع أن يؤمن بذلك ويصدّق به تصديقاً لا يتمثّل في النفس ، لأنّ الوهم له السيطرة والاستيلاء عليها من هذه الجهة .
فإن كان الوهم مسيطراً على النفس على وجه لا يدع لها مجالًا للتصديق بوجود مجرّد عن الزمان والمكان ، فإنّ العقل عندما يمنعها من تجسيمه وتمثيله كالمحسوس ، تهرب النفس من حكم العقل وتلتجئ إلى أن تنكر وجوده رأساً شأن الملحدين .
ومن أجل هذا كان الناس - لغلبة الوهم على نفوسهم - بين مجسّم وملحد . وقلّ من يتنوّر بنور العقل ويجرّد نفسه من غلبة أوهامها ، فيسمو بها إلى إدراك ما لا يناله الوهم . ولذا قال تعالى في كتابه المجيد : وَمَا أكْثَرُ الْنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤمِنِينَ فنفى الإيمان عن أكثر الناس . ثمّ هؤلاء المؤمنون القليلون قال عنهم : وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إلَا وَهُمْ مُشْرِكُونَ يعني أنّهم في حين إيمانهم هم مشركون ، وما ذلك إلّا لأنّهم لغلبة الوهم إنّما يعبدون الأصنام التي ينحتونها بأوهامهم ، وإلّا كيف يجتمع الإيمان والشرك في آن واحد ، إذا أريد بالشرك من الآية معناه المعروف وهو العبادة للأصنام الظاهرية ؟
والخلاصة : إنّ القضايا الوهمية الصرفة التي نسمّيها ( الوهميات ) هي عبارة عن أحكام الوهم في المعاني المجرّدة عن الحسّ . وهي قضايا كاذبة لا ظلّ لها من الحقيقة ، ولكنّ بديهة الوهم لا تقبل سواها . ولذلك يستخدمها المغالط في أقيسته ، كما سيأتي في صناعة المغالطة . إلّا أنّ العقل السليم من تأثيرالوهم ، يتجرّد عنه ولا يخضع لحكمه ، فيكشف كذب أحكامه للنفس .
شرح كتاب المنطق — صفحة 155
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٥٥