أكثر أو أقلّ ، مع أنّ السنة ودورة أيّامها وشهورها من المعاني المجرّدة غير المحسوسة .
وهذا واضح للعقل ، غير أنّ الوهم إذا خطرت له السنة تمثّلها في شكل هندسيّ وهميّ يخترعه في أيّام طفولته من حيث لا يشعر ، ويبقى وهمه معانداً مصرّاً على هذا التمثّل الكاذب . وَلِعِلْمِ الإنسانِ بكذب هذا الوهم وسخافته قد يخجل من ذكره لغيره ولكنّه لا ينفكّ عنه في سرّه . وإنّما أذكر هذا المثال لأنّه يسير لا خطر في ذكره وهو يؤدّي الغرض من ذكره .
والسرّ في ذلك أنّ الوهم تابع منقاد للحسّ ومكبّل به ، فما لا يقبله الحسّ لا يقبله الوهم إلّا لابساً ثوب المحسوس ، وإن كانت له قابلية إدراك المجرّدات عن الحسّ ، كقابليته لإدراك المحسوسات .
فإذا كانت أحكام الوهم جارية في نفس المحسوسات ، فإنّ العقل يصدّقه فيها فيتطابقان في الحكم ، كما في الأحكام الهندسية ، ومثل ما إذا حكم الوهم بأنّ هذين الجسمين لا يحلّان في مكان واحد بوقت واحد ، فإنّ العقل أيضاً يساعده فيه ؛ لحكمه بأنّ كلّ جسمين مطلقاً كذلك ، فيتطابقان .
وإذا كانت أحكامه في غير المحسوسات ، وهي التي نسمّيها بالقضايا الوهمية الصرفة ، فلابدّ أن تكون كاذبة لإصرار الوهم على تمثيلها على نهج المحسوسات . وهي بحسب ضرورة العقل ليست منها ، كما سبق في الأمثلة المتقدّمة ، فإنّ العقل هو الذي ينزع عنها ثوب الحسّ الذي أضفاه عليها الوهم .
ومن أمثلة ذلك : حكم الوهم بأنّ كلّ موجود ، لابدّ أن يكون مشاراً إليه وله وضع وحيّز . ولا يمكنه أن يتمثّله إلّا كذلك ، حتّى أنّه يتمثّل الله تعالى في مكان مرتفع علينا ، وربما كانت له هيئة إنسان مثلًا . ويعجز أيضاً عن تمثيل القبلية والبعدية غير الزمانية ، ويعجز عن تمثيل اللانهائية ، فلا
شرح كتاب المنطق — صفحة 154
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٥٤