الأفعال بسهولة [ هو السبب فيها ] أي في الخلقيات [ لحكم الجبان بحسن الجبن وقبح الشجاعة ، والبخيل بقبح الكرم وحسن الإمساك ، والكذّاب بقبح الصدق وحسن الكذب . . . وهكذا ] . إذن لابدّ أن تفسّر الخلقيات بمعنى آخر .
وعلى هذا الأساس ذكر المصنّف ( قدّس سرّه ) سبباً آخر للحكم بهذه الآراء المحمودة ، وهو أنّ الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وزوّده بحجّة ظاهرة وهو الدين الإسلامي الذي يبيّن له الأعمال الحسنة والأعمال القبيحة وما ينبغي أن يفعل وهو الواجب والمستحب ، وما لا ينبغي أن يفعل ، وهو المحرّم والمكروه . وكذلك زوّده بحجّة باطنة وبقدرة يستطيع بها في الأعمّ الأغلب أن يميّز الأفعال الحسنة عن الأفعال القبيحة بغضّ النظر عن التربية والتأديبات الصلاحية ووجود المجتمع وعدم وجوده . فزوّد الإنسان بفطرة أو عقل يستطيع به التمييز بين الأفعال الحسنة والأفعال القبيحة ، وهذا التمييز هو السبب في هذا القسم من المشهورات . فإنّ إدراكه لحسن الشجاعة وحسن الصدق وحسن الأمانة سبب في تحقّق هذه الآراء المحمودة ، وليس سببها الخلق بالمعنى المتقدّم ، ولهذا قال :
[ والصحيح في هذا الباب أن يقال : إنّ الله تعالى خلق في قلب الإنسان حسّاً ] يعني قدرة يستطيع بها أن يميّز بين الحسن والقبيح [ وجعله حجّة عليه ] وهي الحجّة الباطنة في قبال الحجّة الظاهرة [ يدرك به ] أي بالحسّ [ محاسن الأفعال ومقابحها ] من إضافة الصفة إلى الموصوف ، أي يدرك الأفعال الحسنة والأفعال القبيحة [ وذلك الحسّ هو ( الضمير ) بمصطلح علم الأخلاق الحديث ، وقد يسمّى بالقلب أو العقل العملي أو العقل المستقيم أو الحسّ السليم عند قدماء الأخلاق . وتشير إليه كتب الأخلاق عندهم ] كما في قوله تعالى : فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا « 1 »
هامش
( 1 ) الشمس : 8 . .