تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح كتاب المنطق — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
المشهورات . فإنّا لو نظرنا إلى الواقع الخارجي لوجدنا أكثر الناس لا يتحلّون بخلق الشجاعة ؛ فكيف إذن نقول : إنّ الخلقيات ممّا تطابقت عليها آراء العقلاء لقضاء الخلق الإنساني ؟ وكيف صار الخلق منشأ لهذه القضايا المشهورة ؟ والحال أنّ هذه الملكة مفقودة ، والناس إلّا القليل منهم لا يتّصفون بها ، فينبغي على هذا التعريف ألّا تكون تلك القضايا المشهورة موجودة أيضاً ، وينبغي أن تتطابق آراء العقلاء على حسن الجبن ! والجواب عن ذلك يأتي عما قريب . [ والخلق ملكة في النفس تحصل من تكرّر الأفعال الصادرة من المرء ، على وجه يبلغ درجة يحصل منه الفعل بسهولة ، كالكرم فإنّه لا يكون خلقاً للإنسان إلّا بعد أن يتكرّر منه فعل العطاء بغير بدل ، حتّى يحصل منه الفعل بسهولة من غير تكلّف . ( أقول ) : هكذا عرّفوا الخلقيات والخلق . فجعلوا السبب في حصول الشهرة فيها هو الخلق بهذا المعنى ] أي الملكة التي تصدر منها الأفعال بسهولة [ باعتباره داعياً للعقل العملي إلى إدراك أنّ هذا ممّا ينبغي فعله أو ممّا ينبغي تركه ] . وهذا هو التفسير الصحيح للحسن والقبح ، لا أنّهما ممّا يُمدح فاعله أو لا يُمدح . [ ولكنّا - إذا دقّقنا - نجد أنّ الأخلاق الفاضلة غير عامّة عند الجمهور ، بل القليل منهم من يتحلّى بها ، مع أنّه لا يُنْكَرُ أنّ الخلقيات مشهورة يحكم بها حتّى من لم يُرزق الخلق الفاضل ، فإنّ الجبان يرى حسن الشجاعة ، ويَمدح صاحبها ، ويتمنّاها لنفسه إذا رجع إلى نفسه وأصغى إليها ] ممّا يعني أنّه يراها من الأفعال التي ينبغي فعلها ، وإلا لما مدح الشجاع [ ولكنّه يجبن في موضع الحاجة إلى الشجاعة ، وكذلك البخيل والمتكبّر والكاذب . ولو كان الخلق بذلك المعنى ] أي بمعنى الملكة النفسانية التي تصدر عنها