التي تصدر عنها الأفعال بسهولة من غير رويّة ( « 1 » أي من غير تكلّف .
ولتوضيحه نضرب مثالًا ، وهو : إنّ للإنسان ملكة التكلّم ، فهو يخرج الكلمات من فمه من دون تأمّل ولا رويّة ، ولا يقف فترة من الزمن . وكذلك له ملكة المشي فيسير على أقدامه من غير أن يتعثّر في مشيته وبسهولة من دون تكلّف ؛ بخلاف فعل الكرم ، فإنّ من لم يكن فعل الكرم سجيّته ، يتردّد كثيراً إذا أراد أن يدفع للسائل نصف ما في جيبه ، وذلك لأنّ الكرم ليس ملكة له ، ولهذا لا يصدر عنه بسهولة ودون تكلّف ، بل ربما يمتنع فعل الكرم إن طولب بإنفاق نصف ما يملكه ، بل يمتنع أصلًا ممن لا قابلية له ولا استعداد وممن هو متمسّك بالحياة الدنيا فيما إذا طُلبَ منه قتل نفسه في سبيل الله تعالى . وهذا يعني أنّ الشهادة ليست ملكة عنده ، بخلاف من يستأنس بالموت استئناس الطفل بمحالب أمّه .
ومن هنا يتّضح لنا تعريف الخلق بالملكة النفسانية التي تصدر عنها الأفعال بسهولة ولا تحتاج إلى تكلّف أو تأمّل .
وعلى هذا الأساس فالخلقيات هي الآراء المحمودة التي تطابقت عليها آراء العقلاء لأجل وجود الخلق الإنساني ، مثل حسن الشجاعة ؛ إذ لو سألنا العقلاء عن سبب حكمهم بحسنها لقالوا : لأنّها مقتضى الخلق الإنساني .
ولكن يرد على هذا التعريف إشكال وتقريبه : لو عرّفنا الخلقيات بالمعنى المذكور وجعلناها سبباً لتطابق آراء العقلاء على المشهورات ، فيرد عليه : أنّ هذا السبب غير موجود في الأعمّ الأغلب بين الناس ، فلا معنى لأن يقال : إنّ هذا الخلق هو السبب في حصول الآراء المحمودة أو القسم الثالث من
هامش
( 1 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق ، تأليف الأستاذ العلّامة السيد محمد حسين الطباطبائي ( قدس سره ) ، صحّحه وعلّق عليه : الشيخ عباس علي الزارعي السبزواري ، نشر : مؤسسة النشر الإسلامي ، الطبعة 17 ، 1424 ه - : المرحلة السادسة ، الفصل الخامس عشر ، ص 158 . .