تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح كتاب المنطق — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
الشرح هذا القسم الثالث من أقسام القضايا المشهورة وهي : الخلقيات ، وتسمّى الآراء المحمودة أيضاً ، وهي ممّا تطابق عليها آراء العقلاء لاقتضاء الخلق الإنساني ، فإنّ الإنسان ضِمن الميكانيكية التي تحكمه ، يحكم بأنّ هذا الفعل من الخلقيات حسن وهذا الفعل قبيح ، ولكنّ السبب في حكمه بأنّ هذا الفعل ممّا ينبغي أن يفعل ، وذاك الفعل ممّا لا ينبغي أن يفعل يختلف . ومن هنا يتبيّن الفرق بين التأديبات الصلاحية التي تقدّم الكلام عنها وبين الخلقيات ، مع أنّهما من الآراء المحمودة . فإنّ الاختلاف بينهما في السبب لا في المّسبَّب ، إذ المسبَّب في كلا القضيتين ينبغي أن يفعل أو لا ينبغي ، ولكنّ السبب في تطابق آرائهم في التأديبات الصلاحية هو حفظ النظام الاجتماعي وبقاء النوع الإنساني ، وفي الخلقيات اقتضاء الخلق الإنساني ، مثل الحكم بحسن الشجاعة والكرم وقبح الجبن والبخل . ومن هنا ندخل في بحث جديد في بيان المراد بالخلق الإنساني الذي يكون سبباً لتطابق آراء العقلاء عليه . وقبل بيان ذلك ينبغي الوفاء بما وعدناكم به في بحث الحسن والقبح من الإشارة ولو بصورة إجمالية إليه ، وهو : كون الحسن والقبح من الأمور الواقعية أو من الآراء المحمودة . وقد بيّنّا الفرق بينهما فيما سبق ، وقلنا : ليس المراد من حسن العدل أن يُمدح فاعله ، وليس المراد من قبح الظلم أن يُذمّ فاعله ، بل المراد أنّ العدل ممّا ينبغي فعله والظلم ممّا لا ينبغي فعله . فلو فُرض أنّه لم يبق من البشر إلّا شخص واحد ، وشخّصَ العدل والظلم فإنّ عقله يحكم بأنّ العدل ينبغي فعله وأن الظلم لا ينبغي فعله ، مع أنّه لا يوجد شخص آخر يقول له إنّ فعلك هذا ممدوح أو مذموم ، فيحصل الانفكاك بين ) ما ينبغي فعله ( و ) مدح