3 . الخلقيات
وتسمّى الآراء المحمودة أيضاً ، وهي - حسب تعريف المنطقيين - ما تطابق عليها آراء العقلاء من أجل قضاء الخلق الإنساني بذلك ؛ كالحكم بوجوب محافظة الحرم أو الوطن ، وكالحكم بحسن الشجاعة والكرم ، وقبح الجبن والبخل .
والخلق ملَكة في النفس تحصل من تكرّر الأفعال الصادرة من المرء ، على وجه يبلغ درجة يحصل منه الفعل بسهولة ، كالكرم فإنّه لا يكون خلقاً للإنسان إلّا بعد أن يتكرّر منه فعل العطاء بغير بدل ، حتّى يحصل منه الفعل بسهولة من غير تكلّف .
( أقول ) : هكذا عرّفوا الخلقيات والخلق . فجعلوا السبب في حصول الشهرة فيها هو الخلق بهذا المعنى ، باعتباره داعياً للعقل العملي إلى إدراك أنّ هذا ممّا ينبغي فعله أو ممّا ينبغي تركه . ولكنّا - إذا دقّقنا - نجد أنّ الأخلاق الفاضلة غير عامّة عند الجمهور ، بل القليل منهم من يتحلّى بها ، مع أنّه لا يُنْكَرُ أنّ الخلقيات مشهورة يحكم بها حتّى من لم يُرزق الخلق الفاضل ، فإنّ الجبان يرى حسن الشجاعة ويمدح صاحبها ، ويتمنّاها لنفسه إذا رجع إلى نفسه وأصغى إليها ، ولكنّه يجبن في موضع الحاجة إلى الشجاعة ، وكذلك البخيل والمتكبّر والكاذب . ولو كان الخلق بذلك المعنى هو السبب فيها لحكم الجبان بحسن الجبن وقبح الشجاعة ، والبخيل بقبح الكرم وحسن الإمساك ، والكذّاب بقبح الصدق وحسن الكذب . . . وهكذا .