والصحيح في هذا الباب أن يقال : إنّ الله تعالى خلق في قلب الإنسان حسّاً وجعله حجّة عليه يدرك به محاسن الأفعال ومقابحها ، وذلك الحسّ هو ( الضمير ) بمصطلح علم الأخلاق الحديث ، وقد يسمّى بالقلب أو العقل العملي أو العقل المستقيم أو الحسّ السليم عند قدماء الأخلاق . وتشير إليه كتب الأخلاق عندهم .
فهذا الحسّ في القلب أو الضمير هو صوت الله المدوّي في دخيلة نفوسنا يخاطبها به ويحاسبها عليه . ونحن نجده كيف يؤنّب مرتكب الرذيلة ويقرّ عين فاعل الفضيلة . وهو موجود في قلب كلّ إنسان ، وجميع الضمائر تتّحد في الجواب عند استجوابها عن الأفعال ، فهي تشترك جميعاً في التمييز بين الفضيلة والرذيلة وإن اختلفت في قوّة هذا التمييز وضعفه ، كسائر قوى النفس إذ تتفاوت في الأفراد قوّة وضعفاً .
ولأجل هذا كانت ( الخلقيات ) من المشهورات ، وإن كانت الأخلاق الفاضلة ليست عامّة بين البشر ، بل هي من خاصّة الخاصّة .
نعم ، الإصغاء إلى صوت الضمير والخضوع له ، لا يسهل على كلّ إنسان إلّا بالانقطاع إلى دخيلة نفسه والتحوّل عن شهواته وأهوائه . كما أنّ الخلق عامّة لا يحصل له وإن كان له ذلك الإصغاء إلّا بتكرّر العمل واتّخاذه عادة ، حتّى تتكوّن عنده ملكة الخلق التي يسهل معها الفعل . وبالأخصّ الخلق الفاضل ، فإنّ أفعاله التي تحقّقه تحتاج إلى مشقّة وجهاد ورياضة ، لأنّها دائماً في حرب مع الشهوات والرغبات . وليس الظفر إلّا بعد الحرب .
شرح كتاب المنطق — صفحة 129
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٢٩