فإذا كان الاستقراء مع اكتشاف العلة في التأثير ، فأينما وجدت العلة وجد المعلول . ولكن يمكن أن يقال : إنّ هذا لم يكن استقراءً وإنّما هو قياس ، لأنّا اكتشفنا الحدّ الأوسط . وقد قلنا سابقاً : إنّ الحدّ الأوسط علّة في ثبوت الأكبر للأصغر ، ومع اكتشافه لا يكون الاستقراء سبباً في النتيجة المفيدة لليقين ، بل يكون سببها القياس المستبطن في الاستقراء .
ومن هنا قال المناطقة القدماء : إنّ الاستقراء إذا استبطن قياساً يكون منتجاً لليقين ، لا لأنّه استقراء بل لأنّه قياس . . فلا يتبادر إلى ذهن الطالب أنّ السير في هذا القسم الثاني من الاستقراء من الخاص إلى العام ، بل في واقع الأمر السير من العام إلى الخاصّ ، لأنّه بعد اكتشاف العلّة الكلّية نطبّقها على جزئياتها .
[ ولا شبهة عند العقل إنّ العلّة لا يتخلف عنها معلولها أبداً ] وبمعنى آخر لا شبهة عند العقل أنّ هذا الاستقراء يفيد اليقين ، وأنّ العلة إذا تحقّقت لا يتخلف عنها معلولها [ فيجزم المشاهد المستقري حينئذ جزماً قاطعاً بثبوت الوصف لجميع جزئيات ذلك النوع وإن لم يشاهدها ] أي لم يشاهد الجزئيات ، لأنّه اكتشف علّة ثبوت الوصف ، وحين وجود العلة يوجد الوصف [ كما إذا شاهد الباحث أنّ بعض العقاقير يؤثر الإسهال فبحث عن علّة هذا التأثير وحلل ذلك الشيء إلى عناصره ، فعرف تأثيرها في الجسم الإسهال في الأحوال الاعتيادية ، فإنّه يحكم بالقطع أنّ هذا الشيء يحدث هذا الأثر دائماً ] وكلّما توفّرت تلك الشرائط ، ولكن اكتشاف العلّة المؤثرة قياس مستبطن في الاستقراء وليس استقراءً ، فليس هو سيراً من الخاص إلى العام ، بل هو سير من العام إلى الخاص وتطبيق للعلّة الكلّية على الجزئيات ، كما بيّنّا .
[ وجميع الاكتشافات العلمية وكثير من أحكامنا على الأمور التي نشاهدها من هذا النوع ] من الاستقراء الذي يستبطن قياساً [ وليست هذه الأحكام قابلة للنقض فلذلك تكون قطعية ] والسبب في عدم قابليتها
شرح كتاب المنطق — صفحة 375
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٧٥