المجهول بالمعلوم ، أو فقل لابدّ أن يعرف الجسر الذي يربط المجهول بأيّ معلوم من المعلومات المخزنة عنده . وهذه وظيفة مهمّة لدى المفكّر ، وبها يقع الخطأ وتزلّ الأقدام وتكون سبباً لاختلاف العلماء . ولهذا قال : [ وهذا هو الدور الثاني للفكر ، وهو أهمّ الأدوار والحركات وأشقّها ، وبه يمتاز المفكّرون ، وعنده تزلّ الأقدام ويتورّط المغرورون ] الذين يتخيلون أنّهم يملكون الكثير من المعلومات ، لكنّهم عند الامتحان - وعند الامتحان يكرم المرء أو يهان - وعند مواجهة المشكل ومعرفة نوعه ، يتّضح مقدار ما عند أحدهم من المعلومات ، ويتّضح أنّه لا يملك شيئاً لحلّ المشكل . والأوْلى به أن يقول لا أعلم . فإنّ الإنسان الذي يعرف مقدار معلوماته المخزونة عنده ، إذا واجه مشكلًا وتعرّف على نوعه وفزع إلى معلوماته ووجد أن لا جواب لديه ، قال : لا أعلم ، بخلاف من يدّعي أنّه عالم بكل شيء وهو جاهل بمقدار ما يملكه من المعلومات لحلّ المشكل ، فإنّه لا يستطيع الجواب عن المشكل ، نظير من يؤمر بدفع ألف دينار فيجيب بنعم وهو لم يضع يده في جيبه ليرى إن كان يملك المال أو لا !
وها أنتم ترون بعض من يريد أن يكتب في الرياضيات والاقتصاد والفقه والأصول والهندسة والطبّ وفي كلّ علم من دون أن يملك مقدّمات هذه العلوم ، وكأنما وصل بدرجة من الإحاطة إلى درجة المعصوم ( عليه السلام ) مع علمنا أنّ الإحاطة بكل واحد من هذه العلوم يحتاج إلى عشرين أو ثلاثين أو خمسين سنة من البحث والتمحيص بحسب ما نعرفه من قدرة الإنسان ، لكي يعرف ما ذا يقول ذوو الاختصاص في تلك العلوم .
وقد ورد في الأثر أنّه سئل الإمام ( عليه السلام ) : « يا ابن رسول الله أيكون العالم جاهلًا ؟ قال : نعم ، عالم بما يعلم ، وجاهل بما يجهل » ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه فوقف عند حدّه . فحري بالإنسان أن يعرف ما هي بضاعته العلمية وإلى أيّ نوع من العلوم يمكن نسبتها ، ولا يحاول أن يدلي بدلوه في مجالات لا
شرح كتاب المنطق — صفحة 330
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٣٠