والمفروض أنّ الشكل الأوّل باطل كما تقولون ، مع أنّ الدليل على البطلان مبني عليه فيلزم من صحّته عدم صحّته أو من وجوده عدم وجوده ، وهو محال .
الجواب عن الإشكال الثاني : إنّ الكبريات التي نعتمد عليها في القياس على أنواع : منها ما يستفاد من الاستقراء التامّ ، ومنها ما يستفاد من الاستقراء الناقص .
وقد يقال : إنّ إشكال المتأخّرين يرد على الكبريات المستفادة من الاستقراء التامّ ، ومن المعلوم أنّها ليست كلّها مستفادة من الاستقراء التامّ ، بل بعضها مستفاد من الاستقراء الناقص أيضاً ، فإذا رأيت شخصاً لا يعرف السباحة وهو يغرق في الماء ثمّ رأيت شخصاً ثانياً كذلك يغرق وهكذا لو رأيت ثالثاً ، فتستنج قاعدة كلّية ، مفادها كلّ من دخل الماء ويبقى فيه مدّة معيّنة وهو لا يجيد السباحة يغرق . وكذا يقال في العلوم الطبيعية ، فإنّك إذا جرّبت دواءً معيّناً على شخص وشخصين وثلاثة وعشرة . . . وهكذا ورأيتهم يشفون من المرض تصل إلى نتيجة كلّية ، وهي كلّ من كان مريضاً بالداء الكذائي وتناول الدواء الفلاني فإنّه يشفى من علّته .
إذن كما يتوصّل إلى النتيجة الكلّية بالاستقراء التامّ كذلك يتوصّل إليها بالاستقراء الناقص من غير أن تكون النتيجة مستبطنة في المقدّمات . وعلى هذا يقال : إذا كانت الكبرى الكلّية في الاستدلال مستفادة من الاستقراء التامّ يرد الإشكال المتقدّم ، وإذا كانت مستفادة من الاستقراء الناقص فلا يرد عليه شيء ، لأنّ هناك جملة من الأفراد لم نستقرئها ، والمفروض أنّا نريد أن نتوصّل من خلال الاستدلال إلى معرفتها .
ثمَّ إنّ بعضاً من الكبريات لا تكون بالاستقراء ، من قبيل قولنا : اجتماع النقيضين محال ، والدور محال ، والتسلسل محال ، فإنّ استحالة هذه الأمور إنّما هو من أدلتها الخاصّة وليس من الاستقراء بكلا قسميه . فلو كانت جميع
شرح كتاب المنطق — صفحة 132
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٣٢