من هنا كان لابدّ من الإشارة إلى إشكالات هؤلاء لنكون على بيّنة من الأمر ، وأنّ الإنسان إذا تعلّم شيئاً من العلوم التي تستند إلى المنطق الأرسطي لا يتصوّر نفسه أنّه ختم العلم أوّله وآخره ، فإنّ القياس أمر نوقش في صلاحيته للاستدلال من قبل الكثير من العلماء ، كما عرفت ، وأنّ العقل البشري له أعمال كثيرة في نظرية المعرفة نشير إلى جملة منها ، فنقول : إنّ من أعمال العقل البشري التقاط الصور من العالم الخارجي ، وشأنه في ذلك شأن آلة التصوير ( الكاميرا ) فإنّه بمجرّد أن تقع حواسه على الأشياء تنتقل صورها إلى ذهنه .
ومنها : القيام بعملية التجزئة والتحليل والتركيب .
ومنها : القيام بعملية التجريد والتعميم ، أي تجريد الشيء عن مقارناته ثمّ تعميم الأحكام . مثلًا عندما نتصوّر زيداً وبكراً وخالداً في عالم الذهن ، نجرّد هذه الأفراد عن المقارنات ، ثمّ نستخرج مفهوماً كلّياً وهو الإنسان . وهذه الأعمال لا علاقة لنا بها .
ومنها ، وهو المهم : القيام بعملية التفكير . والفكر هو : عملية الاستدلال بمقدّمات معلومة للوصول إلى أمور مجهولة ، وهذه العملية متوقّفة على الحس والمشاهدة ، فإنّ الإنسان لو لم يملك الحواس والمشاهدات لما استطاع أن يحصّل المواد الأوّلية في عملية الاستدلال .
لا يُتخيَّل أنّ هذا البحث خارج عن علم المنطق ، فإنّ المنطق ليس عبارة عن حفظ اصطلاحاته فقط . ألا ترى أنّ من تعلّم اصطلاحات علم الطبّ فقط لا يتمكن من الاستفادة منها في مداواة مريض ، بل لا يسمّى طبيباً ، فإنّ الطبيب هو المعالج الذي عنده معلومات يستطيع أن يستفيد منها لمعالجة المرضى . والمنطقي كذلك ليس هو من يحفظ الاصطلاحات ، كما هو المتعارف اليوم في الحوزات العلمية في الأعمّ الأغلب حيث نجد الكثير من الطلاب يحفظون الأشكال الأربعة ولكنّهم لا يستطيعون أن يعرفوا أنّ في هذا القياس مغالطة أو
شرح كتاب المنطق — صفحة 127
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٢٧