عملية التفكير وإحضار المعاني على نحو غالب لا تكون إلَّا بالألفاظ لوجود العلاقة والارتباط القوي بينهما ، ولابدّ من التدقيق في الألفاظ كي لا يقع الخطأ في الفكر ، وذلك لأنّ لها حالات ، يؤدّي عدم العلم بها إلى عدم الدقّة في استعمالها في ما وضعت له ، وهي وضعت للمعاني ، وهذا يؤدّي إلى عدم الدقّة في استعمال المعاني ، الموجب إلى الخطأ والانحراف عن جادّة التفكير السليم .
النتيجة التي نأخذها من هذه الفائدة هي : إنّ حاجة المنطقي إلى مباحث الألفاظ إنّما هي لتصحيح عملية الفكر ، وإنّ الخطأ في اللفظ يؤدّي إلى الخطأ في الفكر ؛ للعلاقة والاتّحاد بين اللفظ والمعنى ، وإنّ الألفاظ وحدها لا تلبّي جميع حاجات الإنسان ، لأنّ الحاجة إليها لا تختصّ بصورة التخاطب مع المشافهين والحاضرين بل قد يفكّر الإنسان بينه وبين نفسه بفعل أمر يرجّحه عقله ، ويخالفه هواه مما هو من المفاهيم والمعاني الذهنية ، أو أراد أن ينتقل بفكره من معنى إلى آخر ذهني ، فيحتاج إحضار كلّ معنى إلى توسّط لفظه الخاصّ به والدالّ عليه ، وربما أراد نقل أفكاره إلى من لم يكن حاضراً في مجلس التخاطب ، أو إلى من كان معدوماً وسيوجد في المستقبل ، فيحتاج إلى اتخاذ طريقة يوصل بها أفكاره إليهم .
فاتّضح على هذا : أنّ الألفاظ وحدها لا تكفي للقيام بحاجات الإنسان كلّها ، [ لأنّها تختصّ بالمشافهين ، أمّا الغائبون والذين سيوجدون فلابدّ لهم من وسيلة أخرى لتفهيمهم ] لعدم كفايتها وحدها ، وإلَّا لما وصل إلينا قرآن ولا رواية واحدة عن المعصومين ( عليهم السلام ) أو كلمة واحدة عن العلماء الأعلام وكبار المحقّقين ، إذ على فرض الاكتفاء بالوجود اللفظي لا تصل النوبة إلى الوجود الكتبي ، فلا تصل العلوم والمعارف إلينا .
[ فالتجأ الإنسان أن يصنع النقوش الخطّية لإحضار ألفاظه الدالّة على
شرح كتاب المنطق — صفحة 140
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٤٠