تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح كتاب المنطق — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
لهذا السائل الشفَّاف الذي فيه قوام كلّ شيء حيّ ، فإنّ مجرّد رؤيته تكفي لتبادر صورة لفظه إلى الذهن ، وذلك للعلاقة القوية بين الوجود الذهني والوجود اللفظي ، ويستتبع ذلك علاقة أخرى وهي العلاقة بين الوجود اللفظي والوجود الخارجي ، فإنّك إذا رأيت موجوداً خارجياً أو أحسست به تنتقل إلى وجوده الذهني ثم إلى وجوده اللفظي ، فالارتباط بين طرفين وليس بين طرف واحد ، وكما يدلّ اللفظ على المعنى ، ويدلّ المعنى على الموجود خارجاً ، كذلك يدلّ الخارج على اللفظ ، والعلاقة بينها كالعلاقة بين النار والحرارة والدخان علاقة ذاتية . فالإنسان قد يفكّر في المعاني المعقولة ويتمكّن من إحضارها بواسطة الألفاظ مع غضّ النظر عن وجود مخاطب أو سامع ، فتجري ألفاظها على شفتيه بمجرّد تفكيره في الأمور المعقولة ، وما ذاك إلَّا لوجود علاقة لا تنفكُّ بين الألفاظ والمعاني ، لأنّ إحضار المعاني بدون الألفاظ عمليَّة شاقّة ومعقّدة ، والألفاظ إن لم تكن دقيقة لم تكن عملية التفكير دقيقة . قال الشريف الجرجاني : « فالمنطقي إذا أراد أنْ يعلّم غيره مجهولًا تصوّريّاً أو تصديقيّاً بالقول الشارح أو الحجّة ، فلابدّ له هناك من الألفاظ ليمكنه ذلك ، وأما إذا أراد أن يحصّل هو لنفسه أحد المجهولين بأحد الطريقين فليس الألفاظ هناك أمراً ضروريّاً ، إذ يمكنه تعقّل المعاني مجرّدة عن الألفاظ لكنّه عسير جداً ؛ وذلك لأنّ النفس قد تعوّدت ملاحظة المعاني من الألفاظ ، بحيث إذا أرادت أن تتعقّل المعاني وتلاحظها تتخيّل الألفاظ وتنتقل منها إلى المعاني ، ولو أرادت تعقّل المعاني صرفةً صعُب عليها ذلك صعوبة تامّة ، كما يشهد به الرجوع إلى الوجدان . . . » « 1 » . وعلى هذا ، فلابد من البحث عن الألفاظ كمقدّمة لعلم المنطق ، باعتبار أنّ
هامش
( 1 ) تحرير القواعد المنطقية ، مصدر سابق : ص 82 - 83 .
شرح كتاب المنطق — صفحة 139 | السيد كمال الحيدري / عبد الله الأسعد