[ وبمرور الزمن دعت الإنسان الحاجةُ - وهي أمّ الاختراع - إلى أن يضع لكلّ معنى يعرفه ويحتاج إلى التفاهم عنه لفظاً خاصّاً ] مما يعني أنّ البشرية كلّما تقدّمت في معارفها وعلومها ، تقدّمت في وضع الألفاظ للمعاني في عملية مستمرّة قائمة على قدم وساق تسير مع الإنسان كلّما تطوّر في معارفه [ ليحضر المعاني بالألفاظ بدلًا من إحضارها بنفسها .
ولأجل أن تثبت في ذهنك أيّها الطالب هذه العبارة أكررها لك : « ليحضر المعنى بالألفاظ بدلًا من إحضارها بنفسها » ، فتأمّلها جيّداً ] .
لا يخفى عليك أنّ المراد من المعاني هي المعاني الذهنية التي تُستدعى بالألفاظ ؛ باعتبارها تحكي عن الواقع الخارجي ، أو عن الموجودات الخارجية ، فمثلًا عندما تتلفّظ بلفظ الماء لا يعني أنّك أحضرت الماء الخارجي باللفظ ، وإنما أحضرت معناه من حيث إنّه منطبق بعض الانطباق على الواقع الخارجي .
[ واعرف أنّ هذا الإحضار إنما يتمكّن الإنسان منه بسبب قوّة ارتباط اللفظ بالمعنى وعلاقته به في الذهن ] . وهذه عبارة أخرى عن معنى الوضع في علم الأصول . أي إنّ إحضار المعاني إنما يكون بسبب علاقة وطيدة وربط أكيد بين اللفظ والمعنى ، بحيث إن أحضر اللفظ انتقل الذهن إلى المعنى المجعول بإزائه .
هذا وقد ذكروا نظريات عديدة لتفسير تلك العلاقة ، منها : علاقة السببية ، كالارتباط الذاتي بين النار والحرارة . وهذه النظرية باطلة لأنّ « علاقة السببية بين تصوّر اللفظ وتصوّر المعنى مجالها الذهن . . . وعلاقة السببية بين النار والحرارة أو بين طلوع الشمس والضوء مجالها العالم الخارجي » وقد ناقشنا ذلك في علم الأصول فراجع « 1 » .
ومنها : نظرية الاعتبار ، أي أنّ وضع الألفاظ للمعاني باعتبار معتبر معيّن .
هامش
( 1 ) دروس في علم الأصول ، مصدر سابق ، الحلقة الأولى : ص 182 .