[ الثالث : « الوجود اللفظي » بيانه : إنّ الإنسان لما كان اجتماعياً بالطبع ومضطرّاً ] إنّ كون الإنسان اجتماعياً بالطبع لا يجتمع مع كونه مضطرّاً للتعامل مع الآخرين ، لأنّه إن كان طبعه يقتضي الاجتماع فهو غير مضطر ، وإنْ كان مضطرّاً فهو خلاف مقتضى الاجتماع .
ولتقريب ذلك إلى الذهن نضرب مثالًا ، فنقول : إذا رميت حجراً إلى الأعلى فسوف يسقط إلى الأسفل بفعل الجاذبية ، فهو مضطرّ إلى السقوط ولا يمكن أن يكون ذلك من مقتضى طبعه ، وما نحن فيه كذلك ، فإنّ الإنسان إذا كان طبعه الاجتماع فلا يكون مضطراً [ للتعامل والتفاهم مع باقي أفراد نوعه ] نعم إن كان مضطراً [ فإنّه محتاج إلى نقل أفكاره إلى الغير وفهم أفكار الغير ] .
[ والطريقة الأوّلية للتفهيم هي أن يحضر الأشياء الخارجية بنفسها ] وهذه طريقة بدائية لعل الإنسان البدائي كان يستعملها للتفاهم مع أفراد مجتمعه [ ليحسّ بها الغير بإحدى الحواسّ فيدركها ، ولكنّ هذه الطريقة من التفهيم تكلّفه كثيراً من العناء ] هذا أوّلًا .
وثانياً [ على أنّها لا تفي بتفهيم أكثر الأشياء والمعاني ، إما لأنها ليست من الموجودات الخارجية ، أو لأنها لا يمكن إحضارها .
فألهم الله تعالى الإنسان طريقة سهلة سريعة في التفهيم ، بأن منحه قوّةعلى الكلام والنطق بتقاطيع الحروف ليؤلّف منها الألفاظ ] . ولعلّ هذه الطريقة من مختصّات الإنسان بأن مُنح قدرةً يستطيع بها أن يترجم المعاني إلى كلمات وألفاظ ليتفاهم مع الآخرين ، وبهذه القدرة امتاز عن باقي الحيوانات ، ولذا يقال : الإنسان حيوان ناطق ، أي له قدرة على النطق ، لا أنّ له قدرة على إدراك الكلّيات ، كما فُسّرت قدرته بذلك ، على ما بيّناه في المرحلة الرابعة من إدراك العلوم ، فراجع .
شرح كتاب المنطق — صفحة 134
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٣٤