تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح كتاب المنطق — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
للتفهيم والتفهّم ، ولا يخلو إما أن يحضر لهم الأشياء الخارجية بنفسها لكي يحسّوا بها ، وهذه طريقة صعبة وشاقّة ، إذ قد يستحيل عليه إحضار بعضها لعدم قدرته ، أو لأنها لا وجود خارجي لها أصلًا ، مثل المعاني والمفاهيم الجزئية . الثالث : بما أنّ الله تبارك وتعالى أعطى الإنسان قوَّة النطق ، فدعته الحاجة إلى أن يضع لفظاً بإزاء كلّ معنى من المعاني ، فصار للمعنى الذي كان حاكياً عن الوجود الخارجي لفظ يدلّ عليه ويحكي عنه . وعلى هذا يكون اللفظ حاكياً عن المعنى أوّلًا وبالذات ، وعن الوجود الخارجي ثانياً وبالعرض . الرابع : ولمّا كانت دائرة الألفاظ خاصّة بالمخاطبين الحاضرين ولا تشمل الغائبين والمعدومين أو الذين سيوجدون فيما بعد ، فإيصال الأفكار ونقل المعارف إليهم لابدّ أن يكون بوسيلة أخرى تختلف عن الألفاظ والخطابات الشفاهية ، فاخترع الإنسان النقوش الخطّية وكتابة الحروف والكلمات ، لنقل أفكاره إلى الآخرين . في ضوء ما تقدّم ، اتّضح أنّ الكلمات تحكي الألفاظ ، والألفاظ تحكي المعاني ، والمعاني تحكي الوجود الخارجي ، وأنّ الأنحاء الأربعة للوجود ليست على شاكلة واحدة ؛ حيث إن اثنين منها حقيقيان والآخران مجازيان ، أما الحقيقيان فهما : الوجود الخارجي للشيء والوجود الذهني ، وأما المجازيان فهما اللفظي والكتبي ، والضابطة في ذلك هو وضع الواضع وعدمه ، وحيث لا مدخلية لوضع الواضع في الأوّلين فهما حقيقيان ، بينما الأخيران جاءا بوضع الواضع واصطلاحه فكانا مجازيين اعتباريين . أما عدم دخالة الوضع في الوجود الخارجي للشيء فواضح ، وكذلك الأمر بالنسبة للوجود الذهني له ، حيث إن الوجود الذهني للشجرة مثلًا واحد عند كلّ من يقف إزاءها ، وأما مجازية واعتبارية الأخيرين فيدلّ عليها اختلاف اللغات حيث يعبّر عن المعنى