والثاني : أنّ علم المنطق مورده المفاهيم والمعاني وليس مورده الألفاظ ، لكنّ المفاهيم لا يمكن إلّا أنْ تستدعى بالألفاظ ، فتعلّق غرض المنطقي بالألفاظ بحدود ذلك الاستدعاء ، لما له أثر على المفهوم الذي يريده ويتبنّاه .
فاتّضح أنّ غرض المنطقي هو المعاني التي تحكي عنها الألفاظ ، وهو يختلف عن غرض اللغوي حيث يكون غرضه اللفظ نفسه .
ولهذا قال المصنّف ( رحمه الله ) : [ لا شكّ أنّ المنطقيّ لا يتعلّق غرضه الأصلي إلا بنفس المعاني ] والمفاهيم [ ولكنّه لا يستغني عن البحث عن أحوال الألفاظ توصّلًا إلى المعاني ؛ لأنّه من الواضح أنّ التفاهم مع الناس ونقل الأفكار بينهم لا يكون غالباً إلا بتوسّط لغة من اللغات ] وذلك لأنّ التفاهم بين الناس ونقل أفكارهم بينهم إما يكون بإحضار الشيء الخارجي ، وإما بالإشارة ، وفي الأغلب لا يكون إلّا بالألفاظ .
[ والألفاظ قد يقع فيها التغيير والخلط فلا يتمّ التفاهم بها ] فقد يستعمل شخص لفظاً ويريد به معنىً معيّناً حسب لغته ، وقد يستعمله شخص آخر ويريد به معنىً مغايراً للأوّل حسب لغته أيضاً ، فيكون التفاهم بين الناس صعباً لاختلاف معاني الألفاظ بحسب اختلاف اللغات ، فإنّا نعلم - مثلًا - أنّ التفاهم بين عربي وعربي آخر سهل ، لكنّه لو أراد نقل أفكاره والتفاهم مع غير العربي صَعُبَ عليه ذلك إلا بتوسّط مترجم .
وبالجملة : نبحث في علم المنطق عن ألفاظ موصلة إلى المعاني من جهة عامّة باعتبار عموم المعاني المنطقية وليس من جهة خاصّة ، كالبحث عن خصوصية ألفاظ معاني اللغة العربية .
[ فاحتاج المنطقي إلى أن يبحث عن أحوال اللفظ من جهة عامّة ومن غير اختصاص بلغة من اللغات ] لأنّ خصوصية كلّ لغة من اللغات مرتبطة بعلماء تلك اللغة ، ولا علاقة لها بعلم المنطق [ إتماماً للتفاهم ، ليزن كلامه
شرح كتاب المنطق — صفحة 127
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٢٧