وأشدّ من حاجته الأولى ، بل لعلّها هي السبب الحقيقي لإدخال هذه الأبحاث في المنطق ] وذكر ( رحمه الله ) مقدّمة طويلة لبيانها ، فأفاد : أنّ لكلّ شيء أربعة أنحاء من الوجود : وجود خارجي ، ووجود ذهني ، ووجود لفظي ، ووجود كتبي ، وكلّ واحد منها يقابل الآخر ويغايره . وتوضيح ذلك بأمور :
الأوّل : إنّك إذا علمت بشيء خارجي فسوف تنطبع صورته في ذهنك ، وصورته الذهنية هي عين صورته الخارجية وإنّما الاختلاف بينهما في النشأة والوجود . فالنار في الخارج تترتّب عليها الآثار من حرارة وإضاءة وإحراق ، وليس الأمر كذلك وهي في نشأة الذهن ، وإلا لترتب عليها آثار الوجود الخارجي ، نعم هي حاكية عنه بوجه ما أيضاً ، ولذا عرّفنا العلم بحضور صورة الشيء عند العقل .
فأنت تعلم بصورة الشيء وهي مطابقة للخارج لا بتمام الانطباق وإنما بوجه ما ، حيث لا تترتّب عليه الآثار التي كانت تترتّب عليه لمّا كان في نشأة الخارج .
الثاني : المراد بالصورة المفاهيم والمعاني والمعقولات ، ما شئت فعبّر - كما ذكرنا سابقاً - فإذا أردت أن تنقل ما في ذهنك من المفاهيم إلى الآخر لا يمكنك ذلك من دون اللفظ ، فتحتاج إلى ألفاظ تحكي بها عنها .
وعلى هذا فاللفظ يستدعي المعاني التي تحكي عن الواقع الخارجي ، وذلك لأنّ الإنسان مدنيّ بالطبع حسب المتعارف ، أي أنّه يميل بطبعه إلى الاجتماع ، وعلى رأي البعض أنّه يميل بطبعه إلى الانفراد إلا أنّ الضرورة دعته إلى العيش ضمن مجتمعات ، باعتبار عدم تمكّنه من سدّ جميع احتياجاته ، فهو مفطور على الوحدة وليس مدنياً بالطبع .
وعلى أي حال ، فإنّ الإنسان يحتاج إلى أفراد نوعه ، ويضطر إلى التعامل معهم ، فيحتاج إلى نقل أفكاره إليهم وفهم أفكارهم ، فلابدَّ له من طريقة
شرح كتاب المنطق — صفحة 129
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٢٩