منذ عهد قديم وإلى زماننا على استنباط الحكم الشرعي من الكتاب والسنّة بما يفيد الظنّ لا القطع ، ونعلم أيضاً أنّ جميع المكلّفين في زمن الحضور أو بعده كانوا يعملون بما يرويه لهم الرواة ، وهو لا يفيد أكثر من الظنّ ، هذا أوّلًا .
وثانياً : إنّا نقطع ببقاء التكليف ، وانسداد باب العلم به ، فلا طريق لتحصيل الأحكام إلّا من باب الظنّ « 1 » .
ثمّ أضاف موضّحاً : بأنّ الله سبحانه أرسل إلى عباده رسولًا . . . وأكمل له دينه . . . ولمّا أراد الله عزّ شأنه أن يقبضه إليه ، أمره بإيداع ما لم يظهره من الأحكام إلى وصيّه ، وهكذا إلى القائم . . . ولمّا قبض النبيّ ( ص ) صار الناس إلى فرقتين : فرقة لم يقولوا بكون الأحكام مخزونة عند الوصيّ ، فلذا أسّسوا بعض القواعد كالقياس للجواب على مراجعات الناس إليهم . وما ورد عن الأئمّة ( عيهم السلام ) في ذمّ الاجتهاد ، يراد به هذا المعنى .
وفرقة لم يحتاجوا إلى شيء من ذلك ، بل كانوا يأخذون الأحكام من الأوصياء ويسمعون منهم إلى أن غاب الوصي ، وكانت الأخبار حينئذٍ متكثّرة ، ووُجد الكذّابة ، ووُضع الحديث ، وحصلت إبهامات واشتباهات ، وكان قد ورد من أوصياء خاتم الرسل قواعد لنقد الأخبار وترجيحها . . . ورأوا أنّ ذلك النقد والتمييز ليس عمل كلّ شخص ، ولا يحصل بسهولة ، بل يحتاج إلى تأمّل وفحص . وسمّوا هذا الفحص والتأمّل اجتهاداً ، وهذا الشخص مجتهداً « 2 » .
وممّا تقدّم يتّضح : أنّ ما يرفضه الأخباريّون هو الاجتهاد المبتني على الظنّ غير المعتبر . وهذا ما أشار إليه والده المولى محمّد مهدي النراقي بقوله : « ففعل
هامش
( 1 ) مناهج الأحكام : ص 256 - 257 بحث الاجتهاد والتقليد .
( 2 ) مناهج الأحكام : ص 271 .