تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحلقة الثالثة (الدليل العقلي) — صفحة 421

مساهمون:

ص٤٢١
مختلفة . . . ولفظ العقل على ما عرفت يطلق على الإدراك من حيث إنّ فيه عقد القلب بالتصديق ، على ما جبل الله سبحانه الإنسان عليه من إدراك الحقّ والباطل في النظريات ، والخير والشرّ والمنافع والمضارّ في العمليات . . . لكن ربّما تسلّط بعض القوى على الإنسان بغلبته على سائر القوى كالشهوة والغضب فأبطل حكم الباقي أو ضعّفه ، فخرج الإنسان بها عن صراط الاعتدال إلى أودية الإفراط والتفريط ، فلم يعمل هذا العامل العقليّ فيه على سلامته . . . . وعلى هذا جرى كلامه تعالى ، فإنّه يعرّف العقل بما ينتفع به الإنسان في دينه ويركب به هداه إلى حقائق المعارف وصالح العمل ، وإذا لم يجرِ على هذا المجرى فلا يسمّى عقلًا ، وإن عمل في الخير والشرّ الدنيوي فقط ، قال تعالى : وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ . وقال تعالى : أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ . فالآيات كما ترى تستعمل العقل في العلم الذي يستقلّ الإنسان بالقيام عليه بنفسه ، والسمع في الإدراك الذي يستعين فيه بغيره مع سلامة الفطرة في جميع ذلك ، وقال تعالى : وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ، وقد مرّ أنّ الآية بمنزلة عكس النقيض ؛ لقوله ( ع ) : العقل ما عُبد به الرحمن » « 1 » . فتحصّل : أنّ المراد بالعقل في كلامه تعالى هو الإدراك الذي يتمّ للإنسان مع سلامه فطرته ، وبه يظهر معنى قوله سبحانه : كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( البقرة : 242 ) ، فبالبيان يتمّ العلم ، والعلم مقدّمة للعقل ووسيلة إليه كما قال تعالى : وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ( العنكبوت : 43 ) .
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 2 ص 247 - 250 .