يدرك نفسه في أوّل وجوده ، ثمّ جهّزه بحواسّ ظاهرة يدرك بها ظواهر الأشياء ، وبأخرى باطنة يدرك معاني روحيّة بها ترتبط نفسه مع الأشياء الخارجة عنها كالإرادة والحبّ والبغض والرجاء والخوف ونحو ذلك . ثمّ يتصرّف فيها بالترتيب والتفصيل والتخصيص والتعميم ، فيقضي فيها في النظريات والأمور الخارجة عن مرحلة العمل قضاءً نظريّاً ، وفي العمليات والأمور المربوطة بالعمل قضاء عمليّاً ، كلّ ذلك جرياً على المجرى الذي تشخّصه له فطرته الأصليّة ، وهذا هو العقل .
وفي معنى العقل قرآنيّاً يقول الراغب في المفردات : « العقل يقال للقوّة المتهيّئة لقبول العلم ، ويقال للعلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوّة عقل . ولهذا قال أمير المؤمنين ( ع ) :
العقل عقلان ؛ مطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذا لم يك مطبوع ، كما لا ينفع ضوء الشمس وضوء العين ممنوع .
وإلى الأوّل أشار ( ص ) بقوله :
ما خلق الله خلقاً أكرم عليه من العقل .
وإلى الثاني أشار بقوله :
ما كسب أحد شيئاً أفضل من عقل يهديه إلى هدى أو يردّه عن ردى .
وهذا العقل هو المعنيّ بقوله : « وما يعقلها إلّا العالمون » وكلّ موضع ذمّ الله فيه الكفّار بعدم العقل فإشارة إلى الثاني دون الأوّل نحو : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ إلى قوله : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ونحو ذلك من الآيات ، وكلّ موضع رفع التكليف عن العبد لعدم العقل فإشارة إلى الأوّل » « 1 » .
وقال العلّامة في « الميزان » : « الأصل في معنى العقل العقد والإمساك ، وبه سمّي إدراك الإنسان إدراكاً يعقد عليه عقلًا ، وما أدركه عقلًا ، والقوّة التي يزعم أنّها إحدى القوى التي يتصرّف بها الإنسان يميّز بها بين الخير والشرّ والحقّ والباطل عقلًا ، ويقابله الجنون والسفه والحمق والجهل باعتبارات
هامش
( 1 ) مفردات غريب القرآن : ص 341 - 342 .