استعمالات القرآن الكريم لها كان بصيغة الفعل . والعقل قوّة يتهيّأ بها إدراك العلوم النظريّة ، وكأنّه نور يُقذف في القلب ، وبه يستعدّ لإدراك الأشياء ، فإنّ الغافل عن العلوم والنائم يُسمّيانِ عاقلَين باعتبار وجود هذه القوّة مع فقد العلوم ، وكما أنّ الحياة بها يتهيّأ الجسم للحركات الاختياريّة والإدراكات الحسيّة ، فكذلك العقل به يتهيّأ بعض الحيوانات للعلوم النظريّة . ويمكن تشبيه ذلك بالمرآة التي تفارق غيرها من الأجسام في حكاية الصورة والألوان ، لصفة غريزيّة بها استعدّت للرؤية . فنسبة هذه القوّة في استعدادها لانكشاف العلوم كنسبة المرآة إلى صورة الألوان ونسبة العين إلى صور المرئيّات .
ببيان آخر : « إنّ الحسّ لا ينال غير الجزئيّ المتغيّر ، والعلوم لا تستنتج ولا تستعمل غير القضايا الكليّة ، وهي غير محسوسة ولا مجرّبة ، فإنّ التشريح مثلًا إنّما ينال من الإنسان أفراداً معدودين قليلين أو كثيرين ، يعطي للحسّ فيها مشاهدة أنّ لهذا الإنسان قلباً وكبداً مثلًا ، ويحصل من تكرارها عدد من المشاهدة يقلّ أو يكثر ، وذلك غير الحكم الكلّي في قولنا : ( كلّ إنسان فله قلب أو كبد ) فلو اقتصرنا في الاعتماد والتعويل على ما يستفاد من الحسّ والتجربة فحسب ، من غير ركون على العقليّات من رأس ، لم يتمّ لنا إدراك كلّيّ ولا فكر فطريّ ولا بحث علميّ . فكما يمكن التعويل أو يلزم على الحسّ في موارد يخصّ بها ، كذلك التعويل في ما يخصّ بالقوّة العقليّة » « 1 » .
ومرادنا بالعقل : هو المبدأ لهذه التصديقات الكليّة والمدرك لهذه الأحكام العامّة ، ولا ريب أنّ الإنسان معه شيء شأنه هذا الشأن .
إذن العقل يُطلق على الإدراك من حيث إنّ فيه عقد القلب بالتصديق على ما جبل الله سبحانه الإنسان عليه من إدراك الحقّ والباطل في النظرياتّ ، والخير والشرّ والمنافع والمضارّ في العمليّات ، حيث خلقه الله سبحانه خلقة
هامش
( 1 ) انظر : اللباب في تفسير الكتاب ، العلّامة السيّد كمال الحيدري : ج 1 ص 41 .