الاتّجاه الثالث : إمكان الملازمة
تبيّن ممّا تقدّم عدم صحّة الاتّجاهين الأوّل ( وهو الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع ) ، ولا الاتّجاه الثاني ( وهو استحالة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشارع ) .
وبهذا يتعيّن الاتّجاه الثالث وهو عدم الملازمة بين الحكمين ، لا سلباً ولا إيجاباً ، وهذا يعني أنّ الشارع يمكن أن يجعل حكماً شرعيّاً على وفق ما أدركه العقل من حسن وقبح ، ويمكن أن لا يجعل ذلك .
فإذا كان غرض المولى بمدركات العقل العملي من حسن أو قبح كبيراً وشديداً بنحوٍ يكون أقوى ممّا كان يقتضيها حسن الفعل أو قبحه من محرّكيّة ، ففي هذه الحالة يعمل المولى مولويّته ويصدر جعلًا شرعيّاً لكي يبرز تلك الدرجة من الاهتمام والحفظ ، وإن كانت درجة اهتمام المولى بإيجاد الداعي لدى المكلّف للتحرّك نحو الفعل بدرجةٍ ومرتبةٍ مساويةٍ للدرجة والمرتبة التي يقتضيها حسن الفعل أو قبحه من التحرّك نحو الفعل ، ففي هذه الحالة لا يعمل المولى مولويّته لجعل حكم شرعيّ على طبق حكم العقل بحسن الفعل أو قبحه ، وإنّما يكتفي بحكم العقل ، وإذا أمر أو نهى عن الفعل ففي هذه الحالة ، سيكون أمر الشارع أو نهيه إرشاديّاً إلى كون الفعل حسناً أو قبيحاً ذاتاً لا أكثر .
فلو فرضنا أنّ أداء الأمانة لكونه حسناً عقلًا كافٍ في إيجاد الداعي لدى المكلّف للتحرّك نحوه وكافٍ لتحقيق غرض المولى ، ففي هذه الحالة لا موجب لإعمال المولى مولويّته لجعل الحكم الشرعي لوجوب أداء الأمانة .
أمّا لو فرضنا أنّ الدرجة التي كان يقتضيها حسن أداء الأمانة ليست كافية بغرض المولى لكون غرضه أقوى وأشدّ ممّا يقتضيه الحكم العقلي بحسن أداء الأمانة ، ففي هذه الحالة يعمل المولى مولويّته لجعل حكم شرعيّ بوجوب