موانعها ، وذلك لمحدوديّة العقل البشري وعدم اطّلاعه على جميع هذه الأمور .
فالعقل - فضلًا عن العقلاء - لا يمكنه إدراك كلّ هذه الخصوصيّات والحيثيّات والموانع والشرائط ؛ لأنّه محدود الاطّلاع بلا شكّ في ذلك .
هذا مضافاً إلى أنّ المدرك في العقل النظري هو المصلحة والمفسدة ، ومن الواضح : أنّ إدراك المصلحة والمفسدة شيء وإدراك الحسن والقبح شيء آخر ، فإنّ إدراك الحسن والقبح من شؤون العقل العملي ، بينما إدراك المصلحة والمفسدة من شؤون العقل النظري .
الاحتمال الثاني : أن يكون المقصود استكشاف حكم الشارع من نفس حكمهم بالحسن والقبح وبقطع النظر عن إدراكهم للمصالح والمفاسد ، بمعنى : أنّ العقلاء إذا حكموا بحسن الصدق مثلًا ، فهذا الحكم يلازمه حكم الشارع بالوجوب ، لأنّ الشارع أحد العقلاء بل هو رئيسهم .
والجواب على هذا الاحتمال : أنّ هذه الملازمة لا برهان ولا دليل عليها ، لأنّ كون الشارع أحد العقلاء أو رئيسهم لا يلازم دائماً أن يحكم على وفق ما حكم عليه العقلاء ؛ لأنّه يشترط توفّر أمور أخرى وانتفاء الموانع ، بل نجد في كثير من الأحيان أنّ الشارع يخالف العقلاء ، فيبطل كثيراً من معاملاتهم ، لأنّ العقلاء قد يشخّصون مصلحة في هذه المعاملة ولكنّ الشارع بحسب تشخيصه هذه المعاملة يراها غير صحيحة ، وهذا هو مقتضى كون الشارع رئيس العقلاء ، فلكونه رئيساً يعني أن يكون اطّلاعه على أمور كثيرة تخفى على العقلاء .
الاتّجاه الثاني : استحالة الملازمة
الاتّجاه الثاني ذهب إلى استحالة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشارع ، فإذا حكم العقل العملي بحسن شيء أو قبحه فيستحيل أن يحكم الشارع على طبقه ، وذلك للزوم اللغويّة ، وهي قبيحة عقلًا ، وإذا لزم القبيح من الجعل فيكون الجعل مستحيلًا .