وهذا الملاك هو ملاك الطاعة والامتثال لحكم الشارع ، وعلى هذا الأساس يكون حكم الشارع بوجوب الصدق مثلًا فيه ملاكان للتحرّك .
الملاك الأوّل : إنّ الصدق حسنٌ في نفسه ، والفعل الحسن يقتضي التحرّك والسلوك العملي وفقاً لما يقتضيه الصدق .
الملاك الثاني : إنّ في وجوب الصدق ملاك طاعة للمولى ؛ لأنّ الشارع لمّا حكم بوجوب الصدق صار متعلّقاً لتكليفه وحكمه فيحكم العقل بحسن إطاعته وقبح مخالفته .
وبهذا يتّضح : أنّ حكم الشارع يوجب تأكّد المحرّكيّة للمكلّف والمسؤوليّة .
وعليه فإنّ الشارع إذا كان يهتمّ بحفظ أحكام العقل العملي بدرجةٍ أكبر ممّا يقتضيه حكم العقل العملي من المحرّكيّة والمسؤوليّة ، فلا يوجد مانعٌ من جعل حكم على وفق ما حكم به العقل .
قال الشهيد الصدر ( قدس سره ) : « أمّا دعوى الملازمة فبطلانها من جهة أنّ الشارع تارة يكون غرضه في مقام حفظ الفعل الحسن وترك الفعل القبيح بنفس درجة الحافظيّة والمحرّكيّة الذاتيّة الثابتة في الفعل من ناحية حسنه أو قبحه واستحقاق المدح والثواب أو الذمّ والعقاب عليه ، وأخرى يكون غرضه في حصول مرتبة أشدّ وأرفع من ذلك بحيث يكون له اهتمام أكبر ، فعلى الأوّل لا موجب لافتراض إعمال المولى لمولويّته وجعل حكم شرعيّ على وزان ذلك الحكم العقلي ، وإنّما يرشد إلى حكم العقل ويؤكّده . وعلى الثاني فلا محالة يتصدّى من أجل مزيد الحافظيّة والاهتمام إلى إعمال مولويّته والأمر بذلك الفعل الحسن أو النهي عن الفعل القبيح شرعاً . وتشخيص هذه المرتبة من الاهتمام قد يكون على أساس استظهار من دليلٍ شرعيّ أو على أساس مناسباتٍ ذوقيّة وعقلائيّة لا يمكن التعويل عليها ما لم تبلغ مرتبة الجزم واليقين » « 1 » .
هامش
( 1 ) بحوث في علم الأصول : ج 4 ص 58 .