مثال ذلك : لو فرضنا وجود مصلحة في القبيح أكثر من المفسدة الموجودة فيه ، كما لو كان قتل إنسان واحد فيه مصلحة إنقاذ شخصين من الموت ، كما لو فرضنا أنّ توقّف حياة الشخصين على استخراج دواء مخصوص من قلبه بالشكل الذي يؤدّي إلى موته ، ففي هذه الحالة نجد أنّ المصلحة في قتله أكبر من المفسدة ، ولكن على الرغم من ذلك لا نجد أحداً من العقلاء يقول بحسن قتل ذلك الإنسان ، بل يحكمون بقبح قتله مع ما فيه من المصلحة المفترضة وهي إنقاذ حياة شخصين ، والسرّ في ذلك هو لأنّ قتل النفس المحترمة في نفسه ظلم وهو قبيح ذاتاً .
وهذا يكفي للردّ على ما ذكر من كونهما مجعولين عقلائيّين .
البحث في الملازمة
تبيّن ممّا تقدّم أنّ الحسن والقبح أمران واقعيّان ، والذي يحكم بهما هو العقل العملي ، أي أنّه يدرك لما ينبغي أن يفعل ، وما لا ينبغي أن يفعل ، ومن هنا نشرع في البحث في حال الملازمة ، بمعنى : إذا حكم العقل العملي بحسن شيء أو قبحه فهل يحكم الشارع بوجوبه أو حرمته ؟ في المقام اتّجاهان :
الأوّل : ثبوت الملازمة ، وهو للمشهور ، حيث ادّعوا ثبوت الملازمة بين حكم العقل العملي وحكم الشارع .
الثاني : استحالة الملازمة ، وهو لبعض المحقّقين كالسيّد الخوئي الذين ذهبوا إلى استحالة حكم الشارع على طبق ما حكم به العقل العملي .
الاتّجاه الأوّل : ثبوت الملازمة
قرّب الاتّجاه الأوّل بأنّ الشارع هو أحد العقلاء بل سيّد العقلاء ، فإذا تطابقت آراء العقلاء على حسن شيء أو قبحه ، فحيث إنّ الشارع واحد منهم ، بل سيّدهم ، فلابدّ أن يكون داخلًا معهم في هذا الحكم .