فالعقل يدرك بذاته : أنّ العدل حسن ، والظلم قبيح ، بمعنى : أنّ الظلم بواقعه وبما يستتبعه من موقف وسلوك ، قبيحٌ عقلًا ، بخلاف العدل فإنّه بواقعه وبما يقتضيه من سلوك عمليّ ، حسنٌ عقلًا .
وهكذا الأمر في حسن الطاعة وقبح المعصية ، فالطاعة والمعصية من الأمور الواقعيّة التي لها ثبوت في عالم الواقع ونفس الأمر .
وهكذا الكذب والصدق فإنّهما بذاتهما يتّصفان بالحسن والقبح ، بقطع النظر عن حالات التزاحم والموانع .
وهذا ما نلمسه بالوجدان بأنّ العقل السليم يدرك حسن الصدق والعدل والأمانة ونحوها ، وكذلك يدرك قبح الظلم والكذب والخيانة ونحوها .
قال الشهيد الصدر ( قدس سره ) : « إنّها قضايا واقعيّة دورُ العقل فيها دور المدرك الكاشف على حدّ القضايا النظريّة الأخرى . غاية الأمر أنّ هذه القضايا قضايا واقعيّة تحقّقها بنفسها لا بوجودها الخارجي ، نظير مقولات الإمكان والاستحالة والامتناع من مدركات العقل النظري » « 1 » .
نعم ، قد يحصل الشكّ في الصغرى ، أي : أنّ الفعل الفلاني هل هو ظلم أم لا ؟ وهل هو عدل أم لا ؟ ولا يخفى : أنّ هذا التشكيك ليس في الكبرى وهي حسن العدل وقبح الظلم وإنّما في تطبيق هذه الكبرى على المصاديق الخارجيّة ، وهو خارج عن محلّ كلامنا .
القول الثاني : الحسن والقبح من الأمور المجعولة من قبل العقلاء
ذهب البعض إلى أنّ الحسن والقبح من الأمور الاعتباريّة المجعولة من قبل العقلاء ، بمعنى : أنّ العقلاء اتّفقوا فيما بينهم على حسن العدل وقبح الظلم ؛ لأجل وجود المصلحة أو المفسدة في الشيء المعيّن ، فالشيء الذي يرون
هامش
( 1 ) بحوث في علم الأصول : ج 4 ص 40 .