مناقشة القول بأنّ الحسن والقبح مجعولان عقلائيّان
المناقشة الأولى : الوجدان يشهد بأنّ العقل هو الحاكم لا العقلاء
حاصل هذه المناقشة : أنّ الوجدان يشهد بأنّ الذي يحكم بالحسن والقبح هو العقل لا غير ، فيحكم بحسن العدل وقبح الظلم بقطع النظر عن وجودهما في الخارج وصدورهما من الإنسان ، فكما يحكم باستحالة اجتماع الدور والتسلسل كذلك يحكم بحسن العدل وقبح الظلم ، من دون الحاجة إلى برهان ودليل ؛ فكما يحكم العقل بإمكان الممكن بمجرّد أن يلتفت إلى كونه ممكناً ، سواء صدر ووقع في الخارج أم لا ، كذلك يحكم بالحسن والقبح للأفعال .
وهذا الحكم ثابت قبل أن يخلق الله تعالى الإنسان في الخارج ، وليس ذاك إلّا لأنّه موجود في الواقع وعالم الأمر .
أمّا دور العقلاء في ذلك فليس إلّا إدراك ذلك الأمر الواقعي والكشف عنه بواسطة عقولهم وليس باتّفاقهم وعاداتهم ونحوها .
المناقشة الثانية : التجربة تشهد بأنّ الحاكم هو العقل
حاصل هذه المناقشة : أنّنا حينما نستقرئ مجموعة من مفردات الموجودات الواقعيّة نجد : أنّ العقل يحكم بحسنها أو بقبحها من دون أن يكون ذلك الحكم تابعاً لوجود مصلحة أو مفسدة فيها . فلو كان المناط في الحسن والقبح تابعاً للمصلحة والمفسدة ، لحكَم العقلاء بحسن الفعل الذي يكون واجداً لمصلحة أكثر من المفسدة الموجود فيه ، ولكن مع أنّ الفعل واجد لمصلحة أكبر من المفسدة نجد أنّ العقلاء يحكمون بقبح ذلك الشيء بلا تردّد ، وهذا يدلّ على أنّ الحسن والقبح ليسا تابعين للمصالح والمفاسد ، وإنّما هما صفتان للفعل في نفسه وذاته ، وهذا يعني أنّ الحسن والقبح وصفان واقعيّان يحكم بهما العقل .