تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحلقة الثالثة (الدليل العقلي) — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
وكذلك لو قلنا بأنّ الكذب يحكم العقل بقبحه ، فبناء على أنّ كلّ ما حكم العقل بقبحه حكم الشارع بحرمته ينتج : أنّ الكذب يحكم الشارع بحرمته . وعلى هذا يقع البحث في الملازمة بين حكم العقل العملي بالحسن أو القبح وبين حكم الشارع . وقبل الولوج في البحث في الملازمة المذكورة لابدّ من تقديم مقدّمة في النزاع الدائر بين الأعلام في أنّ الحسن والقبح هل هما من الصفات الواقعيّة الثابتة للأفعال بذاتها من دون جعل العقلاء ، كاستحالة التسلسل واستحالة اجتماع النقيضين ، أم أنّهما أمران اعتباريان مجعولان من قبل العقلاء ، بمعنى أنّ الحسن والقبح عبارة عن تطابق آراء العقلاء جميعهم من دون أن يشذّ أحد منهم ، فكلّ عاقل يحكم بقبح الخيانة والكذب ونحوها وأنّهما ممّا لا ينبغي فعلهما ، وكذلك يحكم بحسن الوفاء بالوعد والصدق ونحوها وأنّهما ممّا ينبغي أن يفعل ، وهذا ما يتّضح في البحث اللاحق .

الحسن والقبح صفتان واقعيّتان أم مجعولان عقلائيّان ؟

في المسألة قولان :

القول الأوّل : الحسن والقبح من الأمور الواقعيّة

أي : أنّ الحسن والقبح من الصفات الواقعيّة الثابتة للأفعال بذاتها من دون جعل العقلاء ، نظير إدراك العقل لسائر القضايا الواقعيّة الأخرى كقضيّة استحالة التسلسل واستحالة اجتماع النقيضين . نعم ، الفرق بينهما أنّ الحسن والقبح يستتبعان موقفاً وسلوكاً عمليّاً معيّناً على طبقهما ، بخلاف سائر إدراكاته للقضايا العقليّة الواقعيّة كاستحالة اجتماع النقيضين ونحوها التي لا تستتبع سلوكاً وموقفاً عمليّاً ، ولذلك كانت قضيّة الحسن والقبح من مدركات العقل العملي بينما القضايا الأخرى من مدركات العقل النظري .