الوجه الثاني : ما ذكره صاحب الكفاية أيضاً من أنّ الثواب والعقاب من آثار القرب والبعد عن المولى ، والواجب الغيريّ لا يؤثّر قرباً أو بُعداً عن الله ، بل المؤثّر في ذلك هو الواجب النفسيّ . . . نعم ، لو كان لواجبٍ نفسيّ مقدّمات كثيرة ، فإنّه يثاب على الإتيان بتلك المقدّمات من باب « أفضل الأعمال أحمزها » « 1 » . حيث قال : « إنّ موافقة الأمر الغيريّ - بما هو أمر لا بما هو شروع في إطاعة الأمر النفسيّ - لا توجب قرباً ، ولا مخالفته - بما هو كذلك - بعداً ، والمثوبة والعقوبة إنّما تكونان من تبعات القرب والبعد » « 2 » .
الوجه الثالث : ما ذكره المحقّق الأصفهاني وحاصله : أنّ الثواب ينشأ عن إتيان العمل بالإتيان به بداعي الأمر ، ومن الواضح : أنّ ترتّب الثواب على موافقة الأمر الغيريّ تتصوّر بالإتيان بالمقدّمة بداعي الأمر الغيري ، وحيث إنّ الأمر الغيريّ لا يصلح للداعويّة والتحريك أصلًا ، فلا يمكن الإتيان بالعمل بداعي امتثال الأمر الغيري . أمّا أنّه لا يصلح للداعويّة والتحريك ، فلأنّ المكلّف عند الإتيان بالمقدّمة إمّا أن يكون مصمّماً وعازماً على الإتيان بذي المقدّمة أو يكون عازماً على عدم الإتيان به . فإن كان عازماً على الإتيان به ، فإتيانه المقدّمة - مع التفاته إلى مقدّميّتها كما هو المفروض - قهريّ ؛ لتوقّف ذي المقدّمة عليها ، سواء تعلّق بها الأمر الغيريّ - كي يدّعى دعوته - إليها أو لا ، فالإتيان بالمقدّمة في هذا التقدير لا ينشأ عن تحريك الأمر الغيري ، بل هو أمرٌ قهريّ ضروريّ وممّا لا محيص عنه . وإن كان عازماً على عدم الإتيان بذي المقدّمة ، فلا يمكنه قصد الأمر الغيريّ بالإتيان بالمقدّمة ؛ إذ ملاك تعلّق الأمر الغيريّ بالمقدّمة هو جهة مقدميّتها والوصول بها إلى الواجب النفسيّ ، ومن الواضح : أنّه مع قصد عدم الإتيان بذي المقدّمة لا تكون جهة المقدميّة ، وتوقّف
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 79 ص 229 .
( 2 ) كفاية الأصول : ص 110 .